طائفة امتنعت عن الصلوات المفروضات، أو: الصيام، أو: الحج، أو: عن التزام جهاد الكفار ... فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء. وهؤلاء عند المحققين ليسوا بمنزلة البغاة بل: هم خارجون عن الإسلام) [1] .
الجواب: نعم، هذا الطريق الذي تقول عليه صعب وشاق وطويل، هو الذي اختاره الرسل-عليهم الصلاة والسلام-ويجب أن يختاره أتباعهم مهما كلفهم ذلك من جهد ومشقة وعناء، وأن يعلموا أنه لو كان الأنبياء، أو: المصلحون إلى يوم القيامة يحاربون من ألوان الشرك المناقض لكلمة: لا إله إلا الله ما يتعلق بالأوضاع الشعبية فقط، لما تعرض لهم أحد، ولما وقف في وجوههم إلا القليل ولكن الأنبياء-عليهم الصلاة والسلام-، لم يكونوا يدعون إلى جزء واحد من الدين [2] بل: كانوا-كما تبين-يسعون للإصلاح في كل شؤون الحياة.
(1) -انظر: (مجموع الفتاوى) (28/ 503)
(2) -أخونا يريد منا طريقة ومنهجَ من يؤمن ببعض الإسلام، ويكفر ببعض، أعني من يكفرون بالجهاد إلا بحسب ما يسمح لهم ولاتهم، وكذا من يحاربون السياسة الشرعية من العلمانيين، وكذا من لا يحب إرجاع الخلافة الإسلامية، يا ويل أمِّه من يتكلم على هذه المسائل، فهم له بالمرصاد أول ما يصكون به أذنه أو: أذنيه حديث: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) ، وهو نص صحيح، وفهْم قبيح، أو: يلفقون له تهمة كبيرة وهي: تكفير المجتمعات، وبعضهم يريد منا أن نأخذ ديننا من التليفزيون، أو: من كتاب: (تبليغي نصاب) ، وهذا الكتاب ملأه صاحبه بالضلال مثل قوله: (اللهم صلي على سيدنا محمد بحر أنوارك، ومعدن أسرارك، ولسان حجتك، وعروس مملكتك، وإمام حضرتك وطراز ملكك، وخزائن رحمتك، وطريق شريعتك المتلذذ بتوحيدك، إنسان عين الوجود والسبب في كل موجود، عين أعيان خلقك المتقدم من نور ضيائك) وهذه أوصاف الألوهية وقد قال رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يخبر عن ربه لما عرج به إلى السماء السابعة: (نور أنى أراه) . رواه أحمد (5/ 157 170 وما بعدها) ومسلم في كتاب الإيمان من: (صحيحه) (1/ 161/291) ، والترمذي في: (جامعه) ، كتاب التفسير (5/ 396) وحسنه.
وأخبر- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-عن الله فقال: (حجابه النور ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) . رواه أحمد في: (مسنده) (4/ 400 - وما بعدها) ، ومسلم في: (صحيحه) ، كتاب الإيمان (1/ 161/162/ 293) ، وابن ماجه في المقدمة (1/ 70/195/ 196) ومن أسمائه تعالى النور، فهو خالق النور في السماوات وفي الأرض، قال تعالى: (الله نور السماوات والارض) (سورة النور، رقم الآية:35) ، وكان يقول في قيام الليل كما ثبت في: (الصحيحين) عن ابن عباس: (اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والارض) ، وقال تعالى: (وأشرقت الأرض بنور ربها) إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي جاءت في وصفه تعالى بالنور.
وأما النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فنوره هي الرسالة التي جاء بها، وبلغها لأمته، وكان منورًا في جسده، وكان ذا نور، لكنه لم يخلق من النور-والحديث فيه موضوع، وضعه الزنادقة الروافض، وغلاة الصوفية.
أعود فأقول: لهؤلاء رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ليس من نور الأنوار، ولا أنه بحر أنوار الله، أو: أنه معدن الأسرار، ولا شك أن هذا من الغلو الذي نهى عنه رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فهو ليس معدنًا لأسرار الله، ولم يحط بكل شيء علمًا، (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (سورة الإسراء، رقم الآية:85) ، فعلمه مكتسب، ونبوته طارئة، وكل ما عنده من الخير والعلم فمن عند الله، (وما بكم من نعمة فمن الله) (سورة النحل، رقم الآية:53) ، فله تعالى أسرار كثيرة لا يعرفها الأنبياء والرسل والملائكة المقربون-عليهم الصلاة والسلام-، وقصة الملائكة مع خلق آدم معروفة في القرآن، وفيها: (إني أعلم ما لا تعلمون) (سورة البقرة، رقم الآية:29) .
وقول الله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة) ، الآية، وقول الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-لما سئل عن الساعة: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) . رواه أحمد في: (مسنده) (2/ 426) ، والبخاري في: (صحيحه) ، كتاب الإيمان: (1/ 153/رقم:50) ، وفي كتاب التفسير: (8/ 659/رقم:4777 - مع الفتح) ، ومسلم في: (صحيحه) ، كتاب الإيمان (1/ 36 - وما بعدها) ، وأصحاب السنن، ومثله-كما في:"الصحيحين": (مفاتح الغيب خمس ... ) .
وقد قلت في هامش:"الشهب النارية على مطابقة الاختراعات العصرية" (ص:34/ 34) -عند قول الغماري في: (مطابقة الاختراعات العصرية ... ) (ص:1) : (فإن علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغيب) : وقد علق شيخنا العلامة الأديب محمد بوخبزة على هذه العبارة قائلًا:"هذه العبارة مخالفة للقرآن: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) ،"سورة الأعراف، رقم الآية:188"، (قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالارْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) ،"سورة النمل، رقم: الآية:67"، والصواب أن يقول-بل: يحذفها على ما بعدها، ولكن المؤلف ممن يعتقد أن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - يعلم الغيب حتى الخمس التي لا يعلمهن إلا الله كله حتى الخمسة مفاتيح الغيب كما قال في بعض كتبه وقاله شقيقه عبد العزيز في: (الأربعين العزيزية) ... ).". ومرة قال: زعيمهم أنه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كان يعلم الغيب.
وزادوا أنه كان يعلم حتى الخمسة التي استأثر الله بها كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) ، (سورة لقمان، الآية:33) . وقال سيدنا الحبيب المصطفى-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: ( في خمس لا يعلمهن إلا الله) .
-وقد قلت في كتابي:"حوار هادئ مع الأستاذ عبد السلام ياسين""ص:273"في تخريج هذا الحديث: أخرجه البخاري في مواضع من: (صحيحه) في: (14 - كتاب الاستسقاء 29 - باب: لا يدري متى يجيء المطر إلا الله،(3/ 220 - 221/رقم:1039) وفي: (64 - كتاب التفسير،6 - سورة الأنعام، 1 - وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، رقم:4627 وفي: 13 - سورة الرعد 1 - باب: الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام، 9/ 284/رقم:4697) ، وفي: 31 - سورة لقمان 2 - باب: قوله (إن الله عنده علم الساعة، 366/رقم:3778) وفي: 96 - كتاب التوحيد،3 - باب: قول الله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا(15/ 311/رقم:7379) ، ومسلم في: (صحيحه) (1 - كتاب الإيمان، 1 - باب: معاني الإيمان والإسلام والإحسان شرعًا، 1/ 152/153/ 154/155/ 156/رقم:8 - مع المفهم) وابن ماجه في: (1 - كتاب المقدمة، 9 - باب: في الإيمان 1/ 57/59/رقم:64) وفي: (سننه) (36 - كتاب الزهد، 25 - باب أشراط الساعة،(3/ 435/رقم:4044) وأحمد في مواضع من: (مسنده) (2/ 24/52/ 58) ، من طرق عن عبد الله بن دينار به.
وأخرجه البخاري مختصرًا في: (صحيحه) (4778) . وأحمد في: (مسنده) (2/ 85/86) . والطبراني في: (الكبير) (13344) . من طريق عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه، عن ابن عمر به. وأخرجه البخاري أيضًا في: (صحيحه) (4627) ، من طريق سالم عن ابن عمر به. وأخرجه الطبراني أيضًا في: (الكبير) (13246) ، من طريق الزهري، عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عمر به. وأخرجه ابن حبان في: (صحيحه) (70/ 71) ، من طريق إسماعيل بن جعفر به، والبغوي في: (شرح السنة) ، وفي: (التفسير) (2/ 129) ، وغيرهم-.
وليت الأمر وقف عند هذا الحد فقد زعم عبد العزيز بن الصديق الغماري في مقدمة كتابه: (الأربعون العزيزية) -بل: قد تبجح بهذا في عدة مواضع من كتبه فقد قال في كتابه: (السفينة) (1/ 42) .بأن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يعلم الغيب كله حتى الخمس الخ، ورد عليه فضيلة شيخنا محمد بوخبزة هناك قائلًا: (وهذه شنشنة نعرفها من أخزم. فقد ألف المؤلف أربعين حديثًا سماها:(الأربعين العزيزية) في هذا الموضوع جلها واهٍ منكر. صرح في أولها بمنكرات: منها: أن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كان يعلم الغيب كله حتى الخمس التي أخبر-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أنه لا يعلمها إلا الله، ومنها: أن تلك الأحاديث صحيحة، لأن الواقع يشهد لها رغم أنها لا أصل لها أو: من رواية الوضاعين أو: المجاهيل، وهذا كما ترى تلاعب وهدم لأصول الحديث وقواعده، ثم إنه تراه يؤولها تأويلًا بعيدًا، ويلوي أعناقها لتوافق أفهامه، ثم هو في كل هذا مقلد شقيقه سطا على جهوده وجمعه).
-بعد أن قرر أن هذا ليس خاصًا بالنبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-بل: كان الأقطاب من أمته يعلمون الخمس أيضًا) - انظر كلامًا جيدًا لشيخنا العلامة أبي أويس أيضًا في كتابه: (نقل النديم ... ) (ص:74) حول هذه الموضوع، ففيه الرد الشافي على من ادعى أن الأولياء يعلمون الغيب ... )، و (عجوه وحشف) (ص:33) وما علقه أيضًا على (السوانح) لشيخنا عبد العزيز الغماري (ص:93) ، و (الجؤنة) للشيخ أحمد الغماري (1/ 27/رقم:30) ، و (رونق القرطاس ... ) (ص:117) -انتهى من كتابي:"حوار هادئ مع الأستاذ عبد السلام ياسين""ص:174/ 175".
وقال الغزالي في: (الإحياء) (3/ 28) -"حوار هادئ مع الأستاذ عبد السلام ياسين""ص:106": (إخبار رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-عن الغيب وأمور في المستقبل كما اشتمل عليه القرآن، وإذا جاز ذلك للنبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-جاز لغيره، إذ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-شخص مكاشف بحقائق الأمور، وشغل بإصلاح الخلق، فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص مكاشف بالحقائق، ولا يشتغل بإصلاح الخلق، وهذا لا يسمى نبيًا بل: يسمى وليًا ... وقال في آخر الباب: فلنقتصر على ما ذكرناه فإنه كافٍ للاستحثاث على المجاهدة وطلب الكشف منها) .
ومتى كان النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-معدنًا لأسرار الله؟ فهو ليس عنده سر، والله تعالى أمره بالبلاغ فقال له: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) (سورة المائدة، رقم الآية:69) .
فقد بلغ رسالة ربه فما كتم شيئًا، وقد قالت أمنا عائشة) -عليها وعلى والديها الرضوان والرحمة-: (من حدثكم أن محمدًا كتم سيئًا من الوحي فقد أعظم على الله الفرية) . رواه البخاري في مواضع من: (صحيحه) ، في كتاب التفسير: (8/ 349/4612) و (8/ 780/4855 - مع الفتح) ، وفي كتاب التوحيد: (13/ 615 - 616 - 7531 - مع الفتح) ، ومسلم في: (صحيحه) ، كتاب الإيمان: (1/ 159 - 287) ، والترمذي في: (جامعه) ، كتاب التفسير: (5/ 262 - 263 - 3068) -فسِرُّ الله لم يطلع عليه لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ومن زعم ذلك فقد كفر.
وقولهم (إنسان عين الوجود) : هذا هو عين ما يعتقده أهل: (الحلول والاتحاد) ، وقد تكلم عليه علماء الإسلام وكفروا القائل به. انظر للتوسع فيه: (تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي) ، و (جزء فيه عقيدة ابن عربي وحياته) ، وكتابي: (البديل الإسلامي لجماعة العدل والإحسان) (/43/ 295/317) وقولهم: (والسبب في كل موجود) : فمتى كان النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-سببًا في كل موجود؟ فالوجود كله بإنسه، وجنه، وذراته، خُلق لعبادة الله وحده، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (سورة الذاريات، رقم الآية:56) ، وهذا الضلال الفاضح والواضح للأسف الشديد تُلزم به وزارات الأوقاف الخطباء يوم الجمعة، وقت صعود الإمام على المنبر، حيث يقوم أحدهم فيغني ويقول: ( ... الضلال المذكور ملحونًا، ثم يقول: إذا قلت لصاحبك أنصت ... وهو لم ينصت) .