(يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) (سورة البقرة، رقم الآية:20) ، وكما في قوله تعالى: (أمن خلق السماوات والارض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله) (سورة النمل، رقم الآية:62) .
وأما توحيد الإلهية: فإن من عبد الله وحده ولم يشرك به شيئًا، لا بد أن يكون قد اعتقد أن الله هو ربه ومالكه، الذي لا رب له غيره، ولا مالك له سواه، فهو يعبده لاعتقاده أن أمره كله بيده، وأنه هو الذي يملك ضره ونفعه، وأن كل ما يدعى من دونه لا يملك لعباد الله ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا، ولا حياةً، ولا نشورًا.
وأما توحيد الأسماء والصفات العليا فهو يقوم على إفراد الله سبحانه بكل ما له من الأسماء الحسنى، والصفات العليا التي لا تنبغي إلا له، ومن جملتها كونه ربًا واحدًا، لا شريك له في ربوبيته، وكونه إلهًا واحدًا، لا شريك له في الإلهية.
فاسم الرب لا ينصرف إلا إليه عند الإطلاق، فله وحده الربوبية المطلقة الشاملة لجميع خلقه، وكذلك اسم الجلالة: (الله) لا يطلق إلا عليه وحده، فهو ذو الألوهية على جميع خلقه، ليس لهم إله غيره.
(ومنه: أن توحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين-توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية) ، فهذه الأنواع الثلاثة متكافلة، ومتلازمة، يكتمل بعضها ببعض، ولا ينفع أحدها بدون الآخرين، فكما لا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الإلهية، فكذلك لا يصح توحيد الإلهية بدون توحيد الربوبية، فإن من عبد الله وحده، ولم يشرك به شيئًا في عبادته، ولكنه اعتقد مع ذلك أن لغيره تأثيرًا في شيء، أو: قدرة على ما لا يقدر عليه إلا الله، أو: أنه يملك ضر العباد، أو: نفعهم، ونحو ذلك، فهذا لا تصح عبادته، فإن أساسها الإيمان بالله ربًا، له شؤون الربوبية كلها، وكذلك من وحد الله في ربوبيته وإلهيته، لكنه ألحد في أسمائه، فلم يثبت له ما دلت عليه تلك الأسماء من صفات الكمال، أو: أثبت لغيره مثل صفته، لم ينفعه توحيده في الربوبية والإلهية، فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة ... تأمله.