فهرس الكتاب

الصفحة 1061 من 1592

وآخر ما يخرج به من الدنيا، بل: وظيفته في الدنيا: هي إقامة التوحيد، والدعوة إلى التوحيد بل: ما خُلق إلا لتحقيق التوحيد، ولولا ذلك ما خلق، (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (سورة الذاريات، رقم الآيات:56) ، هذه هي الغاية والحكمة من خلقهم فلولاها ما خلقوا، التوحيد أولًا لو كنا نعلم، إذ هو أُسُّ العبادة ومخها ولبها، ولا تصح العبادات بدونه. تأمله.

السؤال الثاني والخمسون: هل لك دليل من السنة يؤكد لنا بأن التوحيد [1] هو حق الله على العباد أم لا؟

(1) -قال الراغب الأصفهاني في: (المفردات) : (الوحدة الانفراد والواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتة، ثم يطلق على كل موجود، حتى إنه ما من عدد إلا ويصبح أن يوصف به، فيقال: عشرة واحدة ومائة واحدة وألف واحد، فالواحد لفظ مشترك يستعمل على ستة أوجه) .

1 -الأول: ما كان واحدًا في الجنس، أو: في النوع كقولنا: (الإنسان والفرس واحد في الجنس) ، و (زيد وعمرو واحد في النوع) .

2 -وما كان واحدًا بالاتصال إما من حيث الخِلقة كقولك: (شخص واحد) ، وإما من حيث الصناعة كقولك: (حرفة واحدة) .

3 -وما كان واحدًا لعدم نظيره، إما في الخلقة كقولك: (الشمس واحدة) ، وإما في دعوى الفضيلة: كقولك: (فلان واحد دهره) ، وكقولك: (نسيج وحده) .

4 -وما كان واحدًا، لامتناع التجزي فيه: إما لصغره كالهباء، وإما لصلابته كالماس.

5 -وما كان واحدًا، للمبدأ، إما لمبدإ العدد، كقولك: واحد، اثنان،

6 -وإما لمبدإ الخط، كقولك: النقطة الواحدة، والوحدة في كلها عارضة، وإذا وصف الله تعالى بالواحد، فمعناه، هو: الذي لا يصح عليه التجزي، ولا التكثير، لصعوبة هذه الوحدة قال الله تعالى: (وإذا ذكر الله وحده ... ) ، (سورة الزمر، رقم الآية:42) ، والوحد: المنفرد، ويوصف به غير الله، كقول الشاعر:

(على مستأنس وحد)

وأحد مطلقًا، لا يوصف به غير الله تعالى.

وقال ابن الاثير في: (النهاية) ، في أسماء الله، (الواحد) ، هو: الفرد الذي لم يزل، ولم يكن معه آخر.

قال الأزهري: الفرق بين الواحد والأحد: أن الأحد بني لنفي لا يذكر معه من العدد، تقول: ما جاءني أحد، والوحد: اسم بني لمفتتح العدد، تقول: جاءني واحد من الناس، ولا تقول: جاءني أحد، فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير، والاحد: المنفرد بالمعنى، وقيل: الواحد، هو الذي لا يتجزأ، ولا يثنى، ولا يقبل الانقسام، ولا نظير له، ولا مثل، ولا يَجمع هذين الوصفين إلا الله تعالى. اهـ

ومن هذين النصين وأشباهِهما، مما جاء في كتب اللغة: نستطيع أن ندرك أن هذه المادة (وَحَدَ) ، تدور حول انفراد الشيء بذاته، أو: بصفاته، أو: بأفعاله، وعدم وجود نظير له فيما هو واحد فيه، وإذا عدي بالتضعيف فقيل وحَّد الشيء توحيدًا، كان معناه: إما جعله واحدًا، أو: اعتقده واحدًا، قال الله تعالى-حكاية عن المشركين-: (أجعل الآلهة إلهًا واحدًا) (سورة ص، رقم الآية:4) ، فتوحيد الله معناه: اعتقاد أنه إله واحد، لا شريك له، ونفي المثل، والنظير عنه والتوجه إليه وحده بالعبادة.

(المعاني الاصطلاحية لكلمة التوحيد) : كلمة التوحيد قد تطلق ويراد بها المعنى المصدري، كما قدمنا وقد تطلق ويراد بها الفن المدون المسمى بهذا الاسم.

أما الثاني: فقد اختلفت عبارات القوم في تعريفه، فمنهم من يتوسع في مدلول الكلمة، حتى تشمل جميع مباحث العقيدة، سواء ما تعلق منها بالله عز وجل، وصفاته، أم بالرسل، والأنبياء-عليهم الصلاة والسلام-من حيث ما يجب لهم، وما يجوز، ويمتنع عليهم، أم باليوم الآخر وتفصيل ما يقع فيه وبجميع أخبار الغيب التي وردت في الكتاب والسنة.

ومنهم من يجعله قاصرًا على البحث في ذات الله وصفاته، ومنهم من يسميه: (علم الصفات) وقد عرفه محمد عبده في: (رسالة التوحيد) بأنه: (علم يبحث فيه عن وجود الله، وما يجب أن يثبت له من صفات، وما يجوز أن يوصف به، وما يجب أن ينفى عنه، وعن الرسل، لإثبات رسالتهم، وما يجب أن يكونوا، وما يجوز أن ينسب إليهم، وما يمتنع أن يلحق بهم) فلم يذكر في تعريفه شؤون الغيب، وأحوال المعاد، ثم قال بعد ذلك: (وأصل معنى التوحيد: اعتقاد أن الله واحد، لا شريك له، وسمي هذا العلم به تسمية له بأجزائه، وهو إثبات الوحدة لله في الذات، والفعل في خلق الأكوان، وأنه وحْده مرجع كل كون، ومنتهى كل قصد، وهذا المطلب كان الغاية العظمى من بعثة النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) .

وقد غلط عبده في اعتبار توحيد الربوبية، والانفراد بالخلق، هو الغاية العظمى من بعثة الرسل-عليهم الصلاة والسلام-فإن هذا النوع من التوحيد كانت تقر به الأمم التي بعثت إليها الرسل، ولم يقع نزاع فيه بينهم وبين الرسل-عليهم الصلاة والسلام-، وإنما النزاع في توحيد الإلهية والعبادة، وعبده متأثر بالأشعريين القدامى أصحاب المرحلة الأولى: الذين جعلوا الانفراد بالخلق هو أخص خصائص الإلهية، واهتموا في كتبهم بإقامة البراهين على هذا النوع من التوحيد، دون أن يشيروا إلى توحيد الإلهية، الذي هو أقصى الغايات، ونهاية النهايات، وقد استدرك على عبده تلميذه العلامة رشيد رضا قائلا: (فات الأستاذ أن يصرح بتوحيد العبادة الخ) فما على مثل عبده يُعد الخطأ.

قلت: والأمثلة في القرآن والسنة كثيرة جدًا في توحيد العبادة، لا داعي لذكرها هنا الآن، ويعلم الجميع من علماء السنة: أن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع

1 -أحدها الكلام في الأسماء والصفات.

2 -وتوحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء.

3 -وتوحيد الإلوهية، وهو: استحقاقه أن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن يفرد بكل أنواع العبادات، الظاهرة والباطنية، والقولية والعملية، وقد ألفت فيه عشرات الكتب قديمًا وحديثًا-راجعها إن شئت-والله تعالى أعلم.

والحاصل: أن التوحيد لغة: هو الإفراد. ولا يكون الشيء مفردًا إلا بأمرين:

أ-الإثبات التام،

ب-النفي العام.

فلو قلت: زيد قائم-لم تفرده لاحتمال أن يكون غيره قائمًا أيضًا.

لكن إن قلت: (ما قائم إلا زيد) ، فقد أفردته، بإثباتك القيام التام له، ونفيك العام للقيام عن غيره.

وكلمة التوحيد: (لا إله إلا الله) اشتملت على ركنين اثنين ركن النفي (لا إله) ، وركن الإثبات (إلا الله) ، فنفت الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، فكل ما سواه من الملائكة والأنبياء فضلًا عن غيرهم ليس بإله، ولا له من العبادة شيء، وأثبتت الإلهية لله وحده بمعنى أن العبد لا يأله غيره، أي: لا يقصده بشيء من التأله وهو تعلق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة.

والتوحيد شرعًا: إفراد الله بحقوقه.

ولله سبحانه وتعالى ثلاثة حقوق:

1 -الأول: حقوق ملك.

2 -الثاني: حقوق عبادة.

الثالث: حقوق أسماء وصفات.

ويمكن أن يقال: التوحيد: هو إفراد الله عز وجل بالخلق والرزق والتدبير وعدم صرف شيء من أنواع العبادة إلا له، والإيمان بما وصف وسمي به نفسه، ووصفه وسماه به رسوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.

انظر: (القول السديد في وجوب الاهتمام بالتوحيد) (ص:11/ 12) إسلام محمود دربالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت