وربما يكون هذا الذي تدعيه-أخي-صحيحًا إذا كان علمه وعمله رياءً وسمعة وادعاءً وجمعًا لوسخ الدنيا لا غير.
وحديث أبي موسى-رضي الله عنه-بينته في كتابي: (البديل الإسلامي) [1] ، و (الإتحاف) (ص:703/ 706) غاية البيان راجعه-إن شئت-الزيادة. تأمله.
وقد بينت هذا الشرط في منظومتي المسماة: (النظم المفيد لشروط كلمة التوحيد) حين قلت:
43 -ثُمَّ اليقينُ نَابِذًا للشَّكِّ * بَعْدُ القَبُولُ مُنْقِضًا للتَّرْكِ
الجواب: أما دليل اشتراط الإخلاص من الكتاب فقوله تعالى: (فاعبد الله مخلصًا له الدين ألا لله الدين الخالص) (سورة الزمر، رقم الآيتين:2/ 3) وقوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) [2] .
أما من السنة فقوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ما ورد من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-أنه سأل رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم [3] : ( ... من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟، قال:"أسعد الناس بشفاعتي [4] ، من قال: لا إله إلا الله خالصًا [5] من قلبه"... ) [6] .
(1) -انظر: (البديل الإسلامي لجماعة العدل والإحسان) (2/ 50/53) .
(2) -سورة البينة، رقم الآية: (5) .
(3) -انظر: (إرشاد البصير إلى ترتيب فيض القدير) (1/ 68/رقم:2 - باب: فضل الإيمان والإقرار بالشهادتين) ، و (صحيح الجامع) (رقم:35) .
(4) -قال خالد بن أحمد الخولاني في: (إرشاد البصير إلى ترتيب فيض القدير) (1/ 69/70/رقم:3 - باب: فضل الإيمان والإقرار بالشهادتين) ، و (صحيح الجامع) (رقم:64) : (قوله:"أسعد الناس": أي: أحظاهم بشفاعتي، من الشفع وهو ضم الشيء إلى مثله، كأن المشفوع له كان فردًا فجعله الشفيع شفعًا بضم نفسه إليه، والشفاعة: الضم إلى آخره معاونًا له، وأكثر ما يستعمل في انضمام الأعلى إلى الأدنى ...
وقوله:"من قال: لا إله إلا الله"أي: مع محمد رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-فجعل الجزء من كلمة الشهادة شعارًا لمجموعها، فالمراد: الكلمة بتمامها كما تقول: قرأت (ألم ذلك الكتاب) (البقرة، رقم الآية:1) أي: السورة بتمامها، والمراد: من قال ذلك من إنس وجن وملَك ولا ينافيه التقييد بالناس، لأنه مفهوم لقب، ولا حجة فيه عند الجمهور).
(5) -قال خالد بن أحمد الخولاني في: (إرشاد البصير إلى ترتيب فيض القدير) (1/ 69/70/رقم:3 - باب: فضل الإيمان والإقرار بالشهادتين) : (قوله:"خالصًا"عن شوب شرك أو: نفاق ... مخلصًا من قلبه أو: نفسه، هكذا هو على الشك عند البخاري، وقوله:"مخلصًا"تأكيد لـ"خالصًا"، فالمراد: الإخلاص المؤكد البالغ غايته، ويدل على إرادة تأكيده ذلك القلب، إذ الإخلاص معدنه القلب، ففائدته التأكيد كما في:(فإنه آثم قلبه) (البقرة، رقم الآية:283) .
قال في: (الكشاف) : فلما كان اثمًا مقترنًا بالقلب، (أو: مقترفًا) أُسند إليه، لأن إسنادَ الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول-إذا أرت التوكيد-: هذا مما أبصرته عيني، ومما سمعته أذني، ومما عرفه قلبي، ولأن القلب هو رئيس الأعضاء، والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط، وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعدن اقترانه (أو: اقترافه) ، واللسان ترجمان عنه، ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح، وهي لها كالأصول التي تتشعب منها، ألا ترى أن أصل الحسنات والسيئات: الإيمان والكفر وهما من أفعال القلوب، فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب.
قال البيضاوي:"وأسعد": بمعنى سعيد، إذ لا يسعد بشفاعته من ليس من أهل التوحيد، أو: المراد بمن قال: من لا عمل له يستحق به الرحمة، ويستوجب به الخلاص من النار، لأن احتياجه للشفاعة أكثر، والشفاعة بها أوفر).
انتهى التصحيح والزيادة من (الكشاف) (1/ 406 - دار الرشد الحديثة) ، أو: (1/ 342 - المكتبة التوفيقية) .
(6) -رواه البخاري في: (صحيحه) ، 2 - كتاب العلم، (33 - باب: الحرص على الحديث) (1/ 261/رقم:99/ 6570 - مع الفتح) ، دار الفكر.