فهرس الكتاب

الصفحة 1317 من 1592

وهذا نص صريح في أن من سوى هذه الأمة بعد أن بُعث محمد-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-ليسوا على الإسلام، وعلى هذا فما يدينون الله به لا يقبل منهم ولا ينفعهم يوم القيامة، و يحل لنا أن نعتبره دينًا قائمًا قويمًا، ولهذا يخطئ خطأ كبيرًا من يصف اليهود والنصارى بقوله:"إخوة لنا"، أو: أن أديانهم اليوم قائمة، لما أسلفناه آنفًا.

وإذا قلنا: إن الإسلام هو التعبد لله سبحانه وتعالى بما شرع شمل ذلك الاستسلام له ظاهرًا وباطنًا فيشمل الدين كله عقيدة، وعملًا، وقولًا).

السؤال الأربعون بعد المائة: ما رأيك في قول الصوفية [1] : العبد فيه شيء من الربوبية، والرب فيه شيء من العبودية؟

الجواب: رأيي-إن كان لي رأي-أن هذا هو محض الضلال، وهو كفر صراح من غلاة الصوفية [2] ،

هذه والله هي وحدة الوجود [3] المعروفة عندهم، وما على مثلهم يعد الكفر والخطأ، فهذا حلول، وذاك اتحاد، وذلك كشف، وتلك نورانية، وتلكم أقطاب [4] ، وأغواث، ونقباء، ونجباء، وأوتاد، ورجال، وإسلاس، وانقياد للشيخ، وتجليات، وفتح، وبسط، وخمرة، وغيبوبة، وزندقة.

(1) -انظر: (طبقات الشافعية) (3/ 49) ، و (تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي) (1/ 42/43) .

(2) -انظر: (طبقات الصوفية) (ص:38) للسلمي فقد لام الجنيد تلميذه الشلبي بقوله-كما في: (التعرف لمذهب أهل التصوف) (الباب(65/ص:145 ) ): (نحن حبّرنا هذا العلم تحبيرًا، ثم خبأناه في السراديب فجئت أنت فأظهرته على رؤوس الملأ) ، وينقل الشعراني عن الجنيد في: (طبقاته) (1/ 10) : (كان يقول: لا ينبغي للفقير قراءة كتب التوحيد الخاص إلا بين المصدقين لأهل الطريق أو: المسلمين لهم ... وكان الجنيد لا يتكلم قط في علم التوحيد إلا في قعر بيته بعد أن يغلق أبواب داره ويأخذ مفاتيحها تحت وركه ويقول: أتحبون أن يكذب الناس أولياء الله تعالى وخاصته ويرمونهم بالزندقة والكفر) .

وذكر أيضًا في: (طبقاته) (1/ 10) بأن أبا عبد الله بن محمد القرشي التونسي طلب منه أصحابه أن يسمعهم شيئًا من علم الحقائق، فقال لهم: كم أصحابي اليوم؟ قالوا: ستمائة رجل فقال: اختاروا لي منهم مائة، فاختاروا فقال: اختاروا من المائة عشرين فاختاروا، فقال: اختاروا من العشرين أربعة فاختاروا، فقال الشيخ: لو تكلمت عليكم في علم الحقائق والأسرار لكان أول من يفتي بكفري هؤلاء الأربعة. وعلق عليه الشعراني بقوله: (وكان هؤلاء الأربعة أصحاب كشوفات ومعارف) .

ويذكر أيضًا في: (طبقاته) (2/ 112) أن الشيخ نورالدين المرصفي: (كان يتكلم في دقائق الطريق وإذا حضر أحد من القضاة ينقل الكلام إلى مسائل الفقه إلى أن يقوم حاضره، ويقول: ذكر الكلام بين غير أهله عورة) .

ثم زعن أن الدباغ الأمي الجاهل كان: (إذا حضر بين يديه من لا يعتقده لا تخرج منه ولا فائدة واحدة ولا يقدر على التكلم بشيء من العلوم اللدنية والمعارف الربانية حتى يقوم ذلك الشخص، قال تلميذه الخرافي ابن المبارك: وكان يوصينا ويقول: إذا حضر مثل هذا الرجل فلا تسألوني عن شيء حتى يقوم) .

لأن هؤلاء الدجاجلة والجهلة كانت الشياطين تنطق بلسانهم، وعلى لسانهم، وكان إذا حضر مجلسهم موحد مؤمن انكمشت الشياطين، وأدبرت ولها ضراط، وسلكت فجًا غير فج الموحد، فإذا انصرف رجعت إلى الشيخ الدجال وتكلمت بلسانه وعلى لسانه .... الخ.

(3) -تنبيه: مما لا ينبغي أن ينكَر ويجحَد تضحية الأديب سيد قطب-رحمه الله تعالى-بالنفس والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الله، فنسأل الله أن يتقبله شهيدًا عنده، لذا رأيت لزامًا عليَّ أن أنبه إلى ما يدندن حوله المدخليون أصحاب: (جمعية الرفق بالطواغيت) ، من زعمهم وادعائهم أن سيدًا-رحمه الله تعالى-من أنصار وحدة الوجود، معتمدين عن تفسيره لبعض الآيات التي تذكر بعض الصفات الإلهية كقول الله تعالى في سورة الإخلاص: (ولم يكن له كفؤًا أحد) -وكذا في أوائل سورة الحديد-حيث ذكر (أحدية الوجود) ، ولعله قصد أن الله تعالى هو المتفرد بالوجود الحقيقي المطلق لا يفتقر إلى غيره سبحانه فيه، أما وجود المخلوقين فهو وجود غير حقيقي بمعنى غير كامل، أي: أنهم مفتقرون في وجودهم وكينونتهم إلى الله تعالى، ومن تقصَّى كلامه مجملًا في: (الظلال) أدرك هذا الأمر والله أعلم.

أما معنى وحدة الوجود كما يعتقده غلاة الصوفية فلا يقول به سيد قطب-أبدًا، بل: ينكره في موضع من تفسيره (الظلال) ولا تطاله يد الساعة داخل زنزانتي الانفرادية بالسجن المحلي بتطوان.

على أن سيدًا وقع في بعض الأخطاء-في بعض كتبه-كموافقته الأشاعرة في بعض آرائهم وأصولهم، وكذا تأثره بالمناطقة والمتكلمين، واستعماله العقل أحيانًا في رد بعض نصوص النقل مثل رده حديث: (سحر النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-) ، ونرى أنه لو نُبِّهَ على ذلك لتراجع عنه، وهو مما يعذر فيه بجهله لغياب المصادر والمراجع في السجن وقت كتابة تفسيره، والرجل اختمرته المنية قبل أن يتمكن من مراجعته، كما ذكر لنا أخوه شيخنا العلامة الأديب محمد قطب، كما أن كثيرًا مما ينقم عليه من الزلل مرده إلى سوء تعبير-وكم من حق أضاعه سوء تعبير.

فمعاني الخطاب الأدبي ليست دائمًا نفسها معاني الخطاب الشرعي. وحسنات الرجل ومواقفه الفذة، وتضحياته في سبيل هذا الدين أكثر من أن تحصى-فرحمه الله وتجاوز عنه.

(4) - قال أحمد التجاني عن القطبانية-كما في: (جواهر المعاني) : (وهي الخلافة العظمى عن الحق مطلقًا في جميع الوجود جملة وتفصيلًا، حيثما كان الرب إلهًا، كان هو خليفة في تصريف الحكم وتنفيذه في كل من عليه ألوهية الله تعالى، ثم قيامه بالبرزخية العظمى بين الحق والخلق، فلا يصل إلى الخلق شيء كائنًا من كان من الحق إلا بحكم القطب، وتوليه ونيابته عن الحق في ذلك، وتوصيل كل قسمة إلى محلها، ثم قيامه في الوجود بروحانيته في كل ذرة من ذرات الوجود جملة، وتفصيلًا) .

وهذا كلام كبار الصوفية في القطبانية واحكم-أخي-بما شئت فيه واحتكم، وثالثة الأثافي ما قاله عبد الرحمن الفاسي:

الغوث واحد بمكة انتمى ** مقامه أعلى مقامة السما

والنجبا عينٌ بمصر نسبوا ** والبدلا ميم بشام ذهبوا

والنقبا سين بمغرب أتوا ** رجالهم إلى العراق يا رووا

وفي الأقاليم أقطاب سبعة ** وفي الجوانب أوتاد أربعة

فأصنام الصوفية على هذا تفوق أصنام كفار قريش، فأصنام قريش (360) صنمًا، وأصنام الصوفية (431) صنمًا.

وإليكم العملية الحسابية على أصنام غلاة الصوفية:

1 -فالنجباء عددهم (70) ، وهو المشار إليهم برمز: (عَيْنٌ) وهم في مصر.

2 -والبدلا عددهم (40) وهو المشار إليهم برمز: (ميمٌ) وهم في الشام.

3 -والنقباء عددهم (300) وهو المشار إليهم برمز: (سينٌ) ، وهم في المغرب.

4 -والرجال عددهم (10) وهو المشار إليهم برمز: (يا) وهم في العراق.

5 -والأقطاب عددهم (7) . وهو المشار إليهم بقوله: (وفي الأقاليم أقطاب سبعة) .

6 -والأوتاد عددهم (4) . وهو المشار إليهم بقوله: (وفي الجوانب أوتاد أربعة) .

انتهى من كتابي: (الإتحاف) (ص:106) ، وهامش: (التوضيحات) (ص:31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت