فهرس الكتاب

الصفحة 1525 من 1592

الجواب: نعم، لشهادة أن لا إله إلا الله تأثير عظيم وعجيب في تكفير السيئات وإحباطها، لأنها شهادة من عبد موقن بها، عارف بمضمونها، قد ماتت منه الشهوات، ولانت نفسه المتمردة، وانقادت بعد إبائها واستعصائها، وأقبلت بعد إعراضها، وذلت بعد عزها، وخرج منها حرصها على الدنيا وفضولها، واستذلت بين يدي ربها وفاطرها ومولاها الحق أذل ما كانت له، وأرجى ما كانت لعفوه ومغفرته ورحمته، وتجرد منها التوحيد بانقطاع أسباب الشرك وتحقيق بطلانه.

فزالت منها تلك المنازعات التي كانت مشغولة بها، واجتمع همها على من أيقنت بالقدوم عليه، والمصير إليه، فوجه العبد وجهه بكلية إليه، وأقبل بقلبه وروحه، وهمه عليه، فاستسلم وحده ظاهرًا وباطنًا، واستوى سره وعلانيته فقال: (لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه) ، وقد تخلص قلبه من التعلق بغيره، والالتفات إلى ما سواه، وقد خرجت الدنيا كلها من قلبه، وشارف القدوم على ربه، وخمدت نيران شهوته، وامتلأ قلبه بالتفكر في الآخرة، فصارت نصب عينيه، وصارت الدنيا وراء ظهره، فكانت تلك الشهادة الخالصة خاتمة عمله، فطهرته من ذنوبه، وأدخلته على ربه، لأنه لقي ربه بشهادة صادقة خالصة، وافق ظاهرها باطنها، وسرها علانيتها، فلو حصلت له الشهادة على هذا الوجه أيام الصحة لاستوحش من الدنيا وأهلها، وفر إلى الله من الناس، وأنس به دون ما سواه، لكنه شهد بها وقلبه مشحون بالشهوات، وحب الحياة وأسبابها، ونفسه مملوءة بطلب الحظوظ والالتفات إلى غير الله، فلو تجردت كتجردها عند الموت لكان لها نبأ آخر، وعيش آخر سوى عيشها البهيمي.

ماذا يملك العبد الضعيف، وناصيته بيد الله، وقلبه بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبه كيف يشاء، وحياته بيده، وموته بيده، وسعادته بيده، وشقاوته بيده، وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله بإذنه ومشيئته، فلا يتحرك إلا بإذنه، ولا يفعل إلا بمشيئته، إن وكله إلى نفسه وكله إلى عجز وضيعة، وتفريط وذنب وخطيئة، وإن وكله إلى غيره وكله إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت