فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 358

هذا العلم يتمثل في مرحلة «جمع الأحاديث، وتدوينها، وتصنيفها» [1] .

(1) قال الإمام الحافظ أبو شامة: علوم الحديث الآن ثلاثة: أشرفها: حفظ مُتُونها، ومعرفة غريبها وفقهها. والثاني: حفظ أسانيده، ومعرفةُ رجالها، وتمييزُ صحيحها من سقيمها، وهذا كان مُهمًّا، وقد كُفِيَهُ المُشتغل بالعلم بما صُنّف فيه، وألّف فيه من الكُتب، فلا فائدة إلى تحصيلِ ما هو حاصلٌ. والثالث: جمعهُ، وكِتَابتُه، وسماعه، وتطريقه، وطلب العلو فيه، والرِّحلة إلى البلدان، والمشتغل بهذا مشتغل عمَّا هو الأهم من العلوم النَّافعة، فضلًا عن العمل به، الَّذي هو المطلوب الأصل، إلاَّ أنَّه لا بأس به لأهل البَطَالة؛ لما فيه من بقاء سلسلةِ الإسناد المُتَّصلة بأشرف البشر.

قال: ومِمَّا يُزَهِدُ في ذلك أنَّ فيه يتشارك الكبير والصَّغير، والفَدْم -أي: العَيِيُّ الثقيل- والفَاهِمُ، والجاهل والعالم.

وقد قال الأعمش: حديث يتداولهُ الفُقهاء خير من حديث يتداوله الشيوخ. قلتُ: ليس هذا من قول الأعمش بل هو من قول وكيع كما في (المحدث الفاصل) صـ 238، و (المعرفة) للحاكم صـ 11، و (الكفاية) للخطيب صـ 611، و (الإرشاد) للخليلي (1/ 177) .

ولام إنسان أحمد في حضور مجلس الشافعي وتركه مجلس سفيان بن عيينة فقال له أحمد: اسكت فإن فاتك حديث بعلو تجده بنزول ولا يضرك، وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف أن لا تجده. انتهى.

قال شيخ الإسلام في (النكت) (1/ 229 - 231) :

وفي بعض كلامه نظر، لأنَّ قوله: وهذا قد كُفيه المُشتغل بما صنَّف فيه قد أنكرهُ العلامة أبو جعفر بن الزُّبير وغيره، ويُقال عليه: إن كان التصنيف في الفن يُوجب الاتكال على ذلك، وعدم الاشتغال به، فالقول كذلك في الفنِّ الأوَّل، فإنَّ فقه الحديث وغريبه لا يُحصى كم صُنِّف فيه، بل لو ادَّعى مُدَّع أنَّ التَّصانيف فيه أكثر من التصانيف في تمييز الرِّجال، والصَّحيح من السَّقيم لمَا أبعد، بل ذلك هو الواقع؛ فإن كان الاشتغال بالأوَّل مُهمًّا، فالاشتغالُ بالثاني أهم، لأنَّه المرقاة إلى الأوَّل، فمن أخل به خلط السَّقيم بالصَّحيح، والمُعدَّل بالمُجرَّح، وهو لا يشعر.

قال: فالحق أنَّ كُلًا منهما في علم الحديث مهم، ولا شكَّ أنَّ من جمعهما حاز القدح المعلى مع قصور فيه إِن أخلَّ بالثالث، ومن أخلَّ بهما فلا حظَّ له في اسم الحُفَّاظ، ومن أحرز الأوَّل وأخلَّ بالثاني كان بعيدًا من اسم المُحدِّث عُرفًا، ومن أحرز الثَّاني، وأخلَّ بالأوَّل لم يبعد عنه اسم المُحدِّث، ولكن فيه نقص بالنِّسبة إِلى الأوَّل، وبقي الكلام في الفنِّ الثالث.

ولا شكَّ أنَّ من جمع ذلك مع الأوَّلين كان أوفر سهمًا وأحظ قسمًا، ومن اقتصر عليه كان أخسَّ حظًّا وأبعد حفظًّا، فمن جمع الثلاثة كان فقيهًا مُحدِّثا كاملًا، ومن انفرد باثنين منهما كان دونه، إلاَّ أنَّ من اقتصر على الثَّاني والثَّالث فهو مُحدِّث صرف، لا حظَّ له في اسم الفقيه، كما أنَّ من انفرد بالأوَّل، فلا حظَّ له في اسم المُحدِّث، ومن انفرد بالأوَّل والثاني فهل يُسمى مُحدثًا؟ فيه بحث. انتهى. وانظر (تدريب الراوي) (1/ 45 - 47) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت