الذي يترجح - والعلم عند الله - ما ذهب إليه الحنفية من أن الجماع بعد الوقوف بعرفة لا يفسد الحج؛ لما يأتي:
1 -أن مفهوم الحديث في أمن الفوات والفساد أولى.
2 -أن قول الجمهور: إن العبادة قد يطرأ عليها الفساد مع أمن الفوات مسلم فيه إذا كان المفْسِد منصوصاً عليه أو متفقاً عليه كالجماع قبل الوقوف بعرفة.
3 -أن الآثار المروية عن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - لا تخلو من احتمالات عدة، وقد تتبعت الروايات فوجدت أكثرها في صورتين:
الأولى: رجل أصاب أهله وهو محرم بالحج، فأُمِر بالإتمام والقضاء والهدي.
الثانية: رجل أصاب أهله قبل أن يطوف بالبيت فأُمِر بالهدي.
فالحنفية حملوا الصورة الأولى على ما قبل الوقوف بعرفة لحديث عروة بن مضرس، والصورة الثانية على ما بعد الوقوف حتى طواف الإفاضة؛ لأن لفظ الصورة الثانية «قبل أن يطوف» يحتملها، أما الجمهور فحملوا الصورة الأولى على ما قبل التحلل الأول، والصورة الثانية على ما بعدها.
لذا فقول الحنفية أولى؛ لأن القول بالفساد يحتاج إلى دليل صريح، ودليل الجمهور محتمل، إضافة إلى أنهم مختلفون في حدِّ التحلل الأول، فالرمي لا يعتبرونه وحده موجباً للتحلل الأول، كما أن المالكية [1] والحنابلة [2] قالوا: إن الجماع بعد الإفاضة وقبل الرمي لا يفسد الحج، وكذا عند المالكية الجماع بعد يوم النحر ولو قبل رمي العقبة والإفاضة.
(1) التاج والإكليل للعبدري 3/ 167.
(2) المغني لابن قدامة 3/ 255.