فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 254

أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: 161 - 164] .

إن الإنسان لم يخلق لمجرّد أن يأكل ويشرب، ويلهو ويلعب، ثم بعد ذلك يموت أو ينفق كما تنفق الدابة، كالذين حكى القرآن عنهم أنهم: {يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ} [محمد: 12] إنما خلق الإنسان لغاية أسمى:

يقولون: إن الأحمق يعيش ليأكل، والعاقل يأكل ليعيش، ولكن يبقى هنا سؤال يتحتم الإجابة عنه، هو: ولماذا يعيش العاقل؟ إن العيش ليس غاية في نفسه، تُقصد لذاتها، بل لا بد من هدف يعيش له الإنسان، فما هو؟

أما الماديون، فلا يجدون لهذا السؤال في فلسفتهم جوابا يشفي، وأما المؤمنون فيقولون: إن الإنسان يعيش ليعرف خالقه سبحانه، ويعبده، ويقوم بخلافته في الأرض.

فإذا كان الأحمق يعيش ليأكل، والعاقل يأكل ليعيش، فإن المؤمن يعيش ليعبد الله وحده.

يقرر القرآن هذه الحقيقة بوضوح وجلاء، حين يذكر الغاية من خلق الجن والإنس، فيقول تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات: 56 - 58] .

بل يبيّن القرآن أن خلق العالم كله علويه وسفليه، سماواته وأرضه، لم تكن الغاية منه إلا أن يعرف الناس ربهم القادر على كل شيء، العليم بكل شيء. وهذه المعرفة هي باب كل هدى، ومفتاح كل خير، يقول سبحانه: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] .

الإنسان - إذن - لم يُخلق لنفسه، فكل شيء في هذا الكون قد خلق ليؤدي خدمة لغيره. وهو كذلك لم يخلق لخدمة شيء آخر من مخلوقات هذا الكون،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت