فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 254

لقد كان موقفه فريدا حقا، لم يَمِلْ مع هؤلاء، ولا هؤلاء، ولم يتطرّف إلى اليمين ولا إلى اليسار.

إن شارع هذا الإسلام هو خالق هذا الإنسان، فمن المحال أن يشرع هذا الخالق من الأحكام والنظم ما يعطّل فطرة الإنسان أو يصادمها. وقد خلقه سبحانه على طبيعة مزدوجة: فردية واجتماعية في آن واحد. فالفردية جزء أصيل في كيانه، ولهذا يحب ذاته، ويميل إلى إثباتها وإبرازها، ويرغب في الاستقلال بشؤونه الخاصة.

ومع هذا، نرى فيه نزعة فطرية إلى الاجتماع بغيره، ولهذا، عدّ السجن الانفرادي عقوبة قاسية للإنسان، ولو كان يتمتع داخله بما لَذَّ وطاب من الطعام والشراب.

والنظام الصالح هو الذي يراعي هذين الجانبين: الفردية والجماعية، ولا يطغى أحدهما على الآخر. فلا عجب أن جاء الإسلام - وهو دين الفطرة - نظاما وسطا عدلا، لا يجور على الفرد لحساب المجتمع، ولا يحيف على المجتمع من أجل الفرد. لا يدلّل الفرد بكثرة الحقوق التي تمنح له، ولا يرهقه بكثرة الواجبات التي تُلقى عليه، وإنما يكلّفه من الواجبات في حدود وُسْعِه، دون حرج ولا إعنات، ويقرر له من الحقوق ما يكافئ واجباته، ويلبّي حاجته، ويحفظ كرامته، ويصون إنسانيته.

1 -من هنا، قرّر الإسلام حرمة الدم، فحفظ للفرد"حق الحياة"، وأعلن القرآن أن: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] .

وأوجبت الشريعة في قتل العمد القصاص، إلا أن يعفو أولياء المقتول، أو يقبلوا بدلا، وأوجبت في قتل الخطأ الدية والكفارة.

2 -وقرر حرمة العرض، فصان للفرد"حق الكرامة"، فلا يجوز أن يهان في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت