وفي كل حال، فإن مطالبة الإنسان العادي بمحبة عدوّه ومباركة لاعنه، قد يكون شيئا فوق ما يحتمله. ولهذا، اكتفى الإسلام بمطالبته بالعدل مع عدوّه: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .
كما أن إدارة الخد الأيسر لمن ضرب الخد الأيمن، أمر يشقّ على النفوس، بل يتعذر على كثير من الناس أن يفعلوه، وربما جرّأ الفجرة الأشرار على الصالحين الأخيار. وقد يتعيّن في بعض الأحوال، ومع بعض الناس، أن يعاقبوا بمثل ما اعتدوا، ولا يعفى عنهم فيتبجحوا ويزدادوا بغيا وطغيانا. وقديما قال شاعر عربي:
لئن كنتُ محتاجا إلى الحلم إنني ÷ إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجمُ ÷ ولي فرس للجهل بالجهل مسرجُ
فمن رام تقويمي فإني مقوّم ÷ ومن رام تعويجي فإني معوج
وما كنت أرضى الجهل خدنا وصاحبا ÷ ولكنني أرضى به حين أحرج.
ولهذا تجلّت واقعية الإسلام حين مقابلة السيئة بمثلها بلا حيف ولا عدوان، فأقر بذلك مرتبة العدل، ودرء العدوان، ولكنه حثّ على العفو والصبر والمغفرة للمسيء، على أن يكون ذلك مكرمة يرغب فيها، لا فريضة يلزم بها. وهذا واضح في مثل قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40] ، {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] .
جـ- ومن واقعية الأخلاق الإسلامية: أنها أقرت التفاوت الفطري والعملي