بين الناس، فليس كل الناس في درجة واحدة من حيث قوة الإيمان، والالتزام بما أمر الله به من أوامر، والانتهاء عما نهى عنه من نواهٍ، والتقيد بالمثل العليا.
فهناك مرتبة الإسلام، ومرتبة الإيمان، ومرتبة الإحسان، وهي أعلاها، كما أشار إلى ذلك حديث جبريا - عليه السلام - المشهور، ولكل مرتبة أهلها.
وهناك الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، كما أرشد إلى ذلك القرآن الكريم.
فالظالم لنفسه هو: المقصر، التارك لبعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات.
والمقتصد هو: المقتصر على فعل الواجبات، وإن ترك المندوبات، وعلى ترك المحرمات، وإن فعل المكروهات.
والسابق هو: الذي يزيد على فعل الواجبات، أداء السنن والمستحبات، وعلى ترك المحرمات ترك الشبهات والمكروهات، بل ربما ترك بعض الحلال خشية الوقوع فيما يحرم أو يكره.
وإلى هؤلاء يشير قوله تعالى في سورة فاطر: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32] فالآية الكريمة تجعل هؤلاء الأصناف الثلاثة - على تفاوت مراتبهم - من الأمة التي اصطفاها الله من عباده، وأورثها الكتاب.
د- ومما يكمل هذا المعنى: أن الأخلاق الإسلامية لم تفترض في أهل التقوى أن يكونوا براء من كل عيب، معصومين من كل ذنب، كأنما هو ملائكة أولو أجنحة، بل قدرت أن الإنسان مكوّن من طين وروح، فإذا كانت الروح تعلو به تارة، فإن الطين يهبط به طورا، ومزية المتقين