ونظير هذا: لو غلب الحرام والشبه حتى لم يجد الحلال المحض، فإنه يتناول الأمثل فالأمثل.
ونظير هذا: لو شهد بعض النساء على بعضٍ بحق في بدن، أو مال، أو عرض، وهن منفردات بحيث لا رجل معهن، كالحمامات والأعراس، قبل شهادة الأمثل فالأمثل منهن قطعا، ولا يضيع الله ورسوله حق المظلوم ويعطل إقامة دينه في مثل هذه الصور أبدا، بل نبه الله على قبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر سورة نزلت، ولم ينسخها شيء البتة، ولا نسخ هذا الحكم كتاب ولا سنة، ولا اجتمعت الأمة على خلافه، ولا يليق بالشريعة سواء، فإن الشريعة شرعت لتحصيل مصالح العباد بحسب الأماكن.
وأي مصلحة لهم في تعطيل حقوقهم إذا لم يحضر أسباب تلك العقود شاهدان حرّان، ذكران، عدلان، بل إذا قلتم: تقبل شهادة النساء حيث لا رجل، وينفذ حكم الفاسق إذا خلا جمعهن عن رجل، أو شهادة العبيد إذا خلا جمعهم عن حرّ، أو شهادة الكفار بعضهم على بعض إذا خلا جمعهم عن مسلم؟ (1)
هذا هو الإسلام، وهذه هي واقعيته في كل مجال من المجالات: لا يكلف الناس شططا، ولا يرهقهم عسرا، ولا يجعل عليهم حرجا، يحاول أن يرقى بهم ليصعدوا ويرتفعوا، ولكنه لا يهملهم إذا هبطوا. إنه يريدهم أصحّاء أقوياء، ولكنهم إذا مرضوا عالجهم وساعدهم حتى يشفوا وينهضوا.
إنه منهج الفطرة، منهج الله، الذي يتعانق فيه الواقع والمثال.
(1) انظر: الفواكه العديدة في المسائل المفيدة في الفقه الحنبلي، تأليف العلامة أحمد بن محمد المنقور (2/ 82 - 83) .