فهرس الكتاب
فأجاب العالم: إن كانت الحاجة إلى الدين أكثر لغلبة الفساد، قدم الدين، وإن كانت الحاجة إلى العلم أكثر، لخفاء الحكومات (القضايا المعروضة) قدم العالم.
قال: وأكثر العلماء يقدمون ذا الدين (1) .
ومن الجميل هنا: أن نجد شيخ الإسلام يقرر هنا أمرا على غاية من الأهمية، وهو أن النزول عن المثالية المنشودة إلى حكم الواقع الموجود، ليس معناه الاستسلام للواقع الهابط والرضا به، والسكوت عليه، بل ينبغي أن تظل الأعين رانية، والأعناق مشرئبة، والعزائم مشدودة لتحويل الواقع إلى ما هو أمثل وأفضل، فالوضع الطارئ للضرورة لا يجوز أن يأخذ صفة الاستمرار، وطابع الثبات والدوام، بل يجب التخطيط والإعداد المدروس للانتقال إلى الوضع الطبيعي والمنطقي للأمة المسلمة، ولو بطريق التدرج.
وفي هذا يقول الشيخ:
"ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة، إذا كان أصلح الموجود، فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس ما لا بد لهم منه، من أمور الولايات والإمارات ونحوها: كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه، وإن كان في الحال لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه" (2) .
وثمة أمور أخرى، وأمثلة عديدة، نلمس فيها واقعية الشريعة، من ذلك ما قرره المحقق ابن القيم في قوله:
"إذا لم يجد السلطان من يوليه، إلا قاضيا عاريا عن شروط القضاء، لم يعطل البلد عن قاضٍ، وولى الأمثل فالأمثل".
ونظير هذا: لو كان الفسق هو الغالب على أهل البلد، وإن لم تقبل شهادة بعضهم على بعض وشهادته له، لتعطلت الحقوق وضاعت، وقبل شهادة الأمثل فالأمثل.
(1) المصدر نفسه، ص 20.
(2) صفحة 21.