فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 254

والأمانة ترجع إلى خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمنا قليلا، وترك خشية الناس. وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل حاكم على الناس، في قوله تعالى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] .

هذا هو الوالي أو الموظف الذي تطمح إليه الشريعة الإسلامية، وتهدف إليه التربية الإسلامية، ولكن هل يتوافر القوي الأمين لكل منصب دائما؟؟

هنا ينزل الإمام ابن تيمية إلى الواقع فيقول:

"اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة. فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها. فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة: قدم أنفعهما لتلك الولاية: وأقلهما ضررا فيها: فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع - وإن كان فيه فجور - على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا؛ كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؛ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه؛ وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين. فيغزي مع القوي الفاجر. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّيْنَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» . وروي «بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ» . وإن لم يكن فاجرا، كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده" (1) .

ومما ذكره ابن تيمية هنا: أن بعض العلماء سئل: إذا لم يوجد من يولى القضاء إلا عالم فاسق، أو جاهل دَيِّن (2) فأيهما يقدّم؟

(1) السياسة الشرعية، ص 16، 17.

(2) بفتح الدال، وتشديد الياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت