فهرس الكتاب
والأمانة ترجع إلى خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمنا قليلا، وترك خشية الناس. وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل حاكم على الناس، في قوله تعالى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] .
هذا هو الوالي أو الموظف الذي تطمح إليه الشريعة الإسلامية، وتهدف إليه التربية الإسلامية، ولكن هل يتوافر القوي الأمين لكل منصب دائما؟؟
هنا ينزل الإمام ابن تيمية إلى الواقع فيقول:
"اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه - يقول: اللهم أشكو إليك جلد الفاجر، وعجز الثقة. فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها. فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة: قدم أنفعهما لتلك الولاية: وأقلهما ضررا فيها: فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع - وإن كان فيه فجور - على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينا؛ كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؛ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه؛ وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين. فيغزي مع القوي الفاجر. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّيْنَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» . وروي «بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ» . وإن لم يكن فاجرا، كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين إذا لم يسد مسده" (1) .
ومما ذكره ابن تيمية هنا: أن بعض العلماء سئل: إذا لم يوجد من يولى القضاء إلا عالم فاسق، أو جاهل دَيِّن (2) فأيهما يقدّم؟
(1) السياسة الشرعية، ص 16، 17.
(2) بفتح الدال، وتشديد الياء.