وهكذا تعلم - صلى الله عليه وسلم - من وحي الله: أن لا تنازل ولا تساهل في أمور العقيدة وما يتصل بها.
ولما جاءه عتبة بن ربيعة، يتحدث بلسان قريش، ويعرض عليه أمورا يحرص عليها طلاب الدنيا، لعله يقبلها أو يقبل بعضها، ويتنازل عن دعوته التي أقضّت مضاجعهم، وقال له فيما قال: إن كنت - يا ابن أخي - فيما جئت به من هذا الأمر - الذي فرّق جماعتنا - مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد ملكا، ملّكناك علينا، وإن كنت تريد شرفا سوّدناك علينا، حتى لا نقطع أمرا دونك.
فلما فرغ من عرضه، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: فاسمع مني، فتلا عليه أوائل سورة فصلت إلى قوله: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13] . فما أن سمعها الرجل، حتى خيل إليه أن الصاعقة تكاد تنزل عليه وعلى قومه، فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن أخي، أن تكفّ عن هذا.
ويوم حاولت قريش الضغط على عمه أبي طالب مرة بعد مرة، ليضغط هو بدوره على ابن أخيه، عسى أن يثنيه عن دعوته، أو يخفف من حماسه وحرارته، حتى إنهم هددوه مرة أن ينازلوه وبني هاشم وجها لوجه، إلى أن يهلك أحد الفريقين، أو يكف محمد عن الآلهة، وتضليل الآباء، وتسفيه الأحلام. وضعف أبو طالب يوما أمام هذا التهديد، فعرض على ابن أخيه أن ينظر في مطالبهم ويسمع منهم، وقال له: لا تحملني من الأمر ما لا أطيق. وظن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لهجة عمه أنه خاذله، وتاركه لقريش، فاغرورقت عيناه بدموع كانت تعبيرا عن الإصرار والثبات الفارع، وقال كلمته التاريخية:
"والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته، حتى يظهره الله، أو أهلك دونه".