فهرس الكتاب
ومثل ذلك موقفه من بعض قبائل العرب - بني عامر بن صعصعة (1) حينما عرض عليهم دعوته في مكة، في أحد مواسم الحج، فقبلوا أن يدخلوا في دينه وينصروه ويمنعوه، على أن يكون لهم الأمر من بعده، فرفض هذا الإيمان التجاري الرخيص قائلا:"الأمر إلى الله، يضعه حيث يشاء"، فقال قائلهم: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله، كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك! فأبوا عليه. ولم يُبَالِ - صلى الله عليه وسلم - بإبائهم، ومثل ذلك أيضا، موقفه - صلى الله عليه وسلم - من كذاب بني حنيفة (مسيلمة بن حبيب) ، الذي ادعى النبوة في قومه، وكتب إليه (من مسيلمة إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر معك. وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم يعتدون) .
فكتب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
(بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب: السلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله، يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين) (2) .
وهذا هو الثبات العقدي الصلب الذي لا يقبل غيره في باب العقائد والمبادئ.
وفي مقابل ذلك، نجد مرونة واسعة في مواقف السياسة، و"التكتيك"ومواجهة الأعداء، بما يتطلبه الموقف المعين، من حركة ووعي وتقدير لكل الجوانب والملابسات، دون تزمّت أو تشنّج أو جمود.
نجده في يوم الأحزاب مثلا يأخذ برأي (سلمان) في حفر الخندق حول المدينة، ويشاور بعض رؤساء الأنصار في إمكان إعطاء بعض المهاجرين مع قريش جزءا من ثمار المدينة، ليردّهم ويفرّقهم عن حلفائهم، كسبا للوقت إلى أن يتغيّر الموقف.
(1) سيرة ابن هشام بتحقيق السقا والأبياري وشلبي (2/ 66) طبعة ثالثة، دار إحياء التراث.
(2) المرجع السابق (4/ 247) .