وفي كل هذا فسحة وسعة لمن أراد الموازنة والترجيح وأخذ أقرب الآراء إلى الصواب، وأولاها بتحقيق مقاصد الشرع، فقد يصلح رأي لزمن ولا يصلح لآخر، أو يصلح لبيئة ولا يصلح لأخرى، أو يصلح لحال ولا يصلح لغيره.
وهكذا نجد في النظام الإسلامي مواضع إجماعية لم يختلف فيها اثنان من علماء الأمة، وهي الأسس الثابتة، التي يرتكز عليها بناء النظام الإسلامي، مثل ملكية الأرض للأفراد، وجواز استغلالها وشرعية توارثها، فهذا مما لم يخالف في ثبوته ومشروعيته أحد من فقهاء المسلمين.
ولكن إذا جئنا إلى طريقة استغلال الأرض، وجدنا مذاهبَ وأقوالا شتى، يستند كل منها إلى أدلة شرعية محتملة للتضعيف والترجيح.
فهناك من يقول بمنع المزارعة، وبإباحة المؤاجرة، استنادا إلى ما ورد في ذلك من آثار، وإلى المشروعية العامة للإيجار والاستئجار في سائر الأشياء. ومنهم من عكس فأباح المزارعة، لما صح من معاملة النبي لأهل خيبر على أساسه، ولما فيها من المشاركة في المغنم والمغرم، ولكنه منع المؤاجرة لما فيها من مخاطرة بالبذور، والنفقة والجهد دون فائدة محققة للمستأجر مع الربح المحقق للمالك، أما المزارعة، ففيها اشتراك في الغنم والغرم، قلّ أو كثر.
وهناك من يجيز المزارعة والمؤاجرة جميعا، بشرط ألا تشتمل المزارعة على شرط فاسد، لأنه لم يصح عنده نهي مطلق عن هذه أو تلك.
وبعضهم يوجب في المؤاجرة أن يضع المالك من الأجرة في حالة الجوائح والآفات تصيب الزرع، وفقا لقدر الخسارة، لما جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بوضع الجوائح.
وهناك من لا يجيز المزارعة ولا المؤاجرة جميعا، ويوجب على المالك أحد أمرين:
إما أن يزرع أرضه بنفسه وأدواته.