فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 1

ذيّادا عن القيم والحرمات، ولكنه لا يفعل هذا ليذكر اسمه في قائمة الأبطال، ولا ليرى مكانه، وتتحدث عنه أجهزة الإعلام، ولا ليحوز غنيمة دنيوية، ولكن لتكون كلمة الله هي العليا، وليوفي بالصفقة التي عقدها الله معه حين اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.

والعجيب أن هذا الصنف الذي فني عن حظ نفسه من أجل حق ربّه، والذي نسي ذاته، وذكر الله وحده، هذا الصنف هو الوحيد الذي يعمل في الحقيقة من أجل نفسه: من أجل نجاتها وسعادتها.

إنه - عند التأمل - أوعى الأصناف وأحرصها على سعادة نفسها، ولكنه - بنور بصيرته، وعمق تفكيره - لم يبع آجلا بعاجل، ولا باقيا بِفَانٍ، وقد قال أحد حكماء الصالحين: لو كانت الدنيا ذهبا يفنى، والآخرة خزفا يبقى، لوجب على العاقل أن يختار الخزف الباقي على الذهب الفاني، فكيف إذا كانت الدنيا هي الخزف الفاني، والآخرة هي الذهب الباقي؟!

والحقيقة التي لا ريب فيها، أن النسبة بين هذه الحياة الدنيا، وبين الآخرة، أكبر وأبعد وأعمق مما بين الخزف والذهب بكثير وكثير ولكن الأمثال تضرب للتقريب والتوضيح.

ولا شك أن أخسر الناس، وأظلمهم لنفسه، مَن حرمها سعادة الأبد، ونعيم الأبد، من أجل متعة عارضة، وشهوة زائلة.

وإن أربح الناس بضاعة، مَن باع لذة فانية، أو شهوة عاجلة، واشترى جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] .

والواقع أن هذا الصنف لم يخسر دنياه حين آثر آخرته، فوجّه لها إرادته، وسعى لها سعيها وهو مؤمن.

لقد كسب الحياتين، وجمع الحسنتين: حسنة الدنيا، وحسنة الآخرة اللتين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت