بقضايا الوجود الكبرى، التي تحيّره، وتلقي عليه أسئلة لا يجد لها جوابا: من أين جاء؟ ومن جاء به؟ وإلى أين يذهب بعد رحلة الحياة؟ وهل له من رسالة بين مجيئه وذهابه، أو بين حياته وموته؟ وما هي؟ ومن يملك تحديدها؟ وما جزاؤها إن هو أدّاها على وجهها، أو فرط في أدائها؟
إن الإيمان بالله هو الذي يجيب عن هذه الأسئلة بما يقنع العقول، ويريح الضمائر، ويشرح الصدور، أعني: إيمان الإسلام خاصة، لأنه هو الذي خلا من أغاليط البشر، وأوهام البشر، وشطحات البشر، وتناقضات البشر.
والمدرسة التي لا تغرس الإيمان في النفس، لا تخرج إلا أجيالا حائرة متناقضة، تركب سفينة الحياة، وتخوض عباب محيطها المضطرب، بلا ربّان ولا مرشد، ولا خريطة ولا"بوصلة"ولا منار، لا تهتدي إلى شاطئ، ولا أمل في أن تهتدي.
إن التربية والتعليم من مهمة النبوة، وقد كان مما امتنّ الله به على العرب أن بعث فيهم رسولا من أنفسهم: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164] .
وتحدث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه فقال: «إِنَّ اللهَ بَعَثَنِيْ مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا» (1) .
وأشاد بفضل المعلِّمين فقال: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَأَهْلَ الأَرْضِ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الحُوتَ فِي الْبَحْرِ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِيْ النَّاسِ الخَيْرَ» (2) .
وأعظم خير يعلَّم للناس: أن يعرفوا ربهم، فيعرفوا بذلك مبدأهم ومصيرهم، وسر وجودهم.
أي: يعرفوا أنفسهم على حقيقتها، فمن عرف ربّه فقد عرف نفسه، كما أن من عرف نفسه - كما هي - فقد عرف ربّه.
(1) رواه مسلم.
(2) رواه الترمذي.