منزلة الواجب الذي يؤاخذ من تركه عمدا وهو قادر عليه.
روى الشيخان عن أبي موسى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، لَيْسَ كُلُّنَا يَجِدُ مَا يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَقَالُوْا: يَا نَبِيَّ اللهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟!
أي: أنهم حسبوا الصدقة محصورة في إعطاء شيء من المال للمحتاج، فبيّن لهم سعة مفهوم الصدقة التي يأمر بها كل مسلم، حتى من لم يجد ما لا يتصدق به، فقال: «يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» ، قَالُوْا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟! قَالَ: «يُعِيْنُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوْفِ» ، قَالُوْا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوْفِ أَوِ الْخَيْرِ» ، قَالُوْا: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ» .
وأكثر من ذلك، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجعل هذه الفرصة الإنسانية الاجتماعية اليومية على كل سلامى من جسم الإنسان، أي كل مفصل من مفاصله.
ففي الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُهُ أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» .
وفي بعض الأحيان، تجد الأحاديث النبوية تعطي قيمة لبعض الأعمال الإنسانية، ترفع بها درجتها على الاشتغال بالقربات الدينية، وذلك في الأعمال التي تتسع دائرة النفع بها للخلق، أو يدرأ بسببها شرّ كثير عن الناس، مثل إصلاح ذات البين، وعدل الوالي في ولايته، ونحو ذلك ..
نقرأ في الحديث الشريف: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» (1) ، يعني: حالقة الدين، لا حالقة الشعر، كما جاء في إحدى الروايات (2) .
(1) رواه أبو داود، والترمذي، وابن حبان في صحيحه.
(2) رواه الترمذي.