الإيمان مفتوحا لكل الناس بلا قيد، ولا شرط، ولا تحفظ على جنس، أو لون، أو إقليم، أو طبقة، فإن الإخاء الديني المتفرع عن الإيمان والعقيدة المشتركة لا يضعف الإخاء العام، بل يشد عضده ويقوّيه، ويجعل له في واقع الناس كتلة حية ملموسة تؤمن به وتطبقه، وتدعو إليه، وتدافع عنه، فلا تَنَافي - إذن - بين الإخاء البشري العام وبين الإخاء الديني، الذي نلمسه في مثل قوله تعالى: {إِنَمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «اَلْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ: لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» (1)
ولقد طبق الإسلام هذا الإخاء الرفيع، وأقام على أساسه مجتمعا ربانيا إنسانيا فريدا، شعاره: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» . وجد هذا المجتمع في المدينة بعد الهجرة، في ظل العقيدة، فانطأت نار العداوة بين الأوس والخزرج، وذابت الحواجز بين القحطانيين والعدنانيين من العرب، كما رأينا في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وانحلت العقد بين العربي والعجمي، وامحت الفوارق بين الأغنياء والفقراء، وبين المتحضرين والبداة، وأصبح مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يضم في رحابه الفيحاء، الحبشي كبلال، والفارسي كسلمان، والرومي كصهيب، إلى جوار إخوانهم العرب الأقحاح من الصحابة، كما يضم أغنياء كابن عوف وابن عفان، وفقراء كأبي ذر وأبي هريرة، ولم ينل من أخوتهم اختلاف الجنس أو اللون أو القبيلة أو الطبقة، أو أي اعتبار بشري مما يفرق الناس بعضهم من بعض.
لقد غسل الإسلام الأنفس من أرجاس الجاهلية، وطهرها من الغل والحسد والحقد، ونقاها من الأنانية والشح والبخل، بل ارتقى ببعض الأنفس إلى درجة الإيثار، كما رأينا في مثل موقف سعد بن الربيع الأنصاري مع أخيه عبد الرحمن بن عوف المهاجر، فقد عرض عليه شطر ماله ليتملكه، كما عرض عليه إحدي زوجتيه ليطلقها من أجله فيتزوجها، وهو طيب النفس قرير العين.
(1) رواه البخاري وغيره.