فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 3717

وقيل لأبي الدرداء في مرضه: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قيل: فما تشتهي؟ قال: مغفرة ربي. قالوا: ألا ندعو لك طبيبًا؟ قال: الطبيب أمرضني!

وقيل لأبي ذر وقد رمدت عيناه: لو داويتهما؟ قال: إني عنهما مشغول، فقيل: لو سألت الله تعالى أن يعافيك؟ فقال: أسأله فيما هو أهم عليّ منهما!

وكان الربيع بن خثيم أصابه فالج، فقيل له: لو تداويتَ؟ فقال: قد هممت، ثم ذكرت عادًا وثمود وأصحاب الرِّس وقرونًا بين ذلك كثيرًا، وكان فيهم الأطباء، فهلك المداوِي والمداوَى، ولم تغن الرقَى شيئًا.

وكان أحمد بن حنبل يقول: أحب لمن اعتقد التوكل، وسلك هذا الطريق، ترك التداوي من شرب الدواء وغيره، وإن كان به علل فلا يخبر المتطبب بها أيضًا إذا سأله.

وقيل لسهل: متى يصح للعبد التوكل؟ قال: إذا دخل عليه الضرر في جسمه والنقص في ماله، فلم يلتفت إليه، شغلًا بحاله، وينظر إلى قيام الله تعالى عليه.

الأسباب الصارفة عن التداوي:

"فإذن منهم مَن ترك التداوي وراءه، ومنهم مَن كرهه، ولا يتضح وجه الجمع بين فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعالهم إلا بحصر الصوارف عن التداوي."

فنقول:

إن لترك التداوي أسبابًا:

"السبب الأول": أن يكون المريض من المكاشَفين، وقد كوشف بأنه انتهى أجله وأن الدواء لا ينفعه، ويكون ذلك معلومًا عنده تارة برؤيا صادقة، وتارة بحدس وظن، وتارة بكشف محقق، ويشبه أن يكون ترك الصِّدِّيق رضي الله عنه التداوي من هذا السبب، فإنه كان من المكاشَفين، فإنه قال لعائشة رضي الله عنها في أمر الميراث: إنما هن أختاك، وإنما كان لها أخت واحدة، ولكن كانت امرأته حاملًا فولدت أنثى، فعلم أنه كان قد كوشف بأنها حامل بأنثى، فلا يبعد أن يكون قد كوشف أيضًا بانتهاء أجله، وإلا فلا يُظَن به إنكار التداوي وقد شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تداوى وأمر به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت