فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 3717

"السبب السادس": أن يشعر العبد في نفسه مبادئ البطر والطغيان بطول مدة الصحة، فيترك التداوي خوفًا من أن يعاجله زوال المرض، فتعاوده الغفلة والبطر والطغيان، أو طول الأمل والتسويف في تدارك الفائت وتأخير الخيرات. فإن الصحة عبارة عن قوة الصفات وبها ينبعث الهوى، وتتحرك الشهوات، وتدعو إلى المعاصي، وأقلها أن تدعو إلى التنعم في المباحات، وهو تضييع الأوقات، وإهمال للربح العظيم، في مخالفة النفس، وملازمة الطاعات، وإذا أراد الله بعبد خيرًا لم يخله عن التنبه بالأمراض والمصائب، ولذلك قيل: لا يخلو المؤمن من علَّة أو قلَّة أو زلَّة.

فقد قال بعض العارفين لإنسان: كيف كنت بعدي؟ قال: في عافية، قال: إن كنت لم تعص الله عزَّ وجلَّ فأنت في عافية، وإن كنت قد عصيته فأي داء أدوأ من المعصية؟ ما عوفي مَن عصى الله.

وقال عليّ كرَّم الله وجهه لما رأى زينة النبط بالعراق في يوم عيد: ما هذا الذي أظهروه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين هذا يوم عيد لهم، فقال: كل يوم لا يُعصى الله عزَّ وجلَّ فيه فهو لنا عيد.

وقال تعالى: (إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى) (العلق: 6، 7) ، وكذلك إذا استغنى بالعافية. قال بعضهم: إنما قال فرعون: أنا ربكم الأعلى لطول العافية، لأنه لبث أربعمائة سنة لم يصدع له رأس، ولم يحمّ له جسم، ولم يضرب عليه عرق، فادعى الربوبية -لعنه الله- ولو أخذته الشقيقة (الصداع النصفي) يومًا لشغلته عن الفضول، فضلًا عن دعوى الربوبية!

وقال صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هادم اللَّذات) . وقيل: الحمى رائد الموت فهو مُذكِّر له ودافع للتسويف.

وقال تعالى (أو لا يرون انهم يُفتنون في كل عامٍ مرةً أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذَّكَّرون) (التوبة: 126) ، قيل: يُفتنون بأمراض يُختبرون بها.

ويقال: إن العبد إذا مرض مرضتين ثم لم يتب، قال له مَلَك الموت: يا غافل؛ جاءك مني رسول بعد رسول فلم تجب! ا. هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت