فهرس الكتاب

الصفحة 831 من 3717

أحد بايع تحت الشجرة» (1) ومثل هذا الحديث الآخر «إن أوليائي المتقون أيا كانوا وحيث كانوا» ، كما أن من الكفار من يدعي أنه ولي الله وليس وليا لله بل عدو له، فكذلك من المنافقين الذين يُظهرون الإسلام يقرون في الظاهر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنه مرسل إلى جميع الإنس بل إلى الثقلين الإنس والجن، ويعتقدون في الباطن ما يناقض ذلك مثل أن لا يقروا في الباطن بأنه رسول الله وإنما كان ملكا مطاعا ساس الناس برأيه من جنس غيره من الملوك، أو يقولون إنه رسول الله إلى الأميين دون أهل الكتاب كما يقوله كثير من اليهود والنصارى، أو أنه مرسل إلى عامة الخلق وأن لله أولياء خاصة لم يُرسل إليهم ولا يحتاجون إليه بل لهم طريق إلى الله من غير جهته كما كان الخضر مع موسى، أو أنهم يأخذون عن الله كلَّ ما يحتاجون إليه وينتفعون به من غير واسطة، أو أنّه مرسل بالشرائع الظاهرة وهم موافقون له فيها، وأما الحقائق الباطنية فلم يُرسل بها أو لم يكن يعرفها، (2)

(1) «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» له نظائر في النصوص من استعمال كلمة (لا يدخل) إما في الجنة أو في النار؛ «لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان«، «لا يدخل الجنة قتاد«، «لا يدخل الجنة قاتل«، ونحو ذلك، وهذا النفي بالدخول عند أهل السنة تارة يُراد به نفي الأصل، وتارة يراد به نفي تخليد، وتارة يُراد به نفي الأولوية، ففي النفي في هذا الحديث المراد به نفي الأصل (لا يدخل أحد النار بايع تحت الشجرة) يعني لا يدخلها أصلا، وما جاء في النفي بدخول الجنة «لا يدخل الجنة قتاد نمام«، ونحو ذلك، هذا المراد به الدخول الأولي، يعني لا يدخلون أولا بل يتأخرون، ويقابل هذا النفي التحريم في النصوص، يَحْرُم على النار، ونحو ذلك في الجنة فإنّه يراد به تارة تحريم الأبدي وتارة تحريم المعقد أو التحريم الأمدي. هذه -يعني الألفاظ- ينبغي أن تفهم على ضوء ما ذكرنا.

(2) يقصد بالمنافقون الذين هذه صفتهم، ملتبسا عليه الأمر، فيكون على ضلال من جهة الباطن ألحقه بالمنافقين. فإنّ طوائف من غلاة الصوفية والإتحادية يقولون نحن في الظاهر متبعون لصاحب الشريعة وفي الباطن مستقلون، كما قاله ابن عربي وغيره قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام لما طاف بالبناء؛ بناء الأنبياء فوجد البناء قد كَمُل وحَسُن إلا موضع لبنة فقال عليه الصلاة والسلام أنا هذه اللبنة التي كمل بها هذا البناء؛ بناء الأنبياء، فقال ابن عربي بعد ذلك: ولا بد لخاتم الأولياء أن يرى نفسه في موضع لبنتين، لبنة ذهب ولبنة فضة، فيكون الظاهر لبنة، ويكون الباطن لبنة، أما اللبنة الظاهرة فتأخذ من صاحب الشريعة، وأما اللبنة الباطنة فيستقي بها من المعدن الذي استقى منه الملك؛ يعني يأخذ من عن الله جل وعلا مباشرة، فإنهم في الباطن هم غير متعبدين بالشرع، في الظاهر متابعون، وهؤلاء هم الذين يدّعون الوَلاية ويدّعون أنهم أولياء، ويغتر الناس بهم في كثير من أمصار المسلمين هم غلاة المتصوفة الذين يقولون بأقوال أهل الإتحاد وأشباه ذلك. لهذا تجد عندهم من غرائب الأقوال والأعمال ما يخرجون به عن الشريعة، حتى زعم كثير منهم أنّهم سقطت عنهم التكاليف، وكانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام كالخضر مع موسى حيث وسعه الخروج عن شريعة موسى، وهذا كفر وزندقة، وهو نوع من أنواع النفاق. فشيخ الإسلام يريد بالمنافقين في هذا الكلام هذه الطائفة التي كانت منتشرة وهي موجودة إلى يومنا هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت