فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 513

أما (صوت الصدر) الوارد في النص، وهو ما جعله سيبويه جوهر الأصوات المجهورة ويقابله ما سماه (صوت الفم) الذي تتكون منه الأصوات المهموسة فلعل المقصود به هو تلك النغمة الصوتية الناتجة عن اهتزاز وذبذبة الوترين الصوتيين حال النطق بالأصوات المجهورة، فأدرك سيبويه أثرها الصوتي ولم يدرك مصدرها، فنسبها إلى الصدر لأن صداها يتردد هناك، وهو ما ذهب إليه الدكتور إبراهيم أنيس في تفسير (صوت الصدر) حيث قال: «ولعل هذا الصوت هو صدى الذبذبات التي تحدث في الوترين الصوتيين بالحنجرة، وهذا الصدى نحسّ به ولا شك في الصدر، كما نحس به حين نسد الأذنين بالأصابع، أو حين نضع الكف على الجبهة. فهو الرنين الذي نشعر به مع المجهورات، وسببه تلك الذبذبات التي في الحنجرة» [1] .

وهذا يعني أن للأصوات المجهورة مصدرين للتصويت، الأول صوت الحنجرة الناتج عن ذبذبة الوترين، والثاني مخرج الصوت حيث يضيق مجرى النفس أو ينغلق. أما الصوت المهموس فليس له إلا مصدر واحد للتصويت، وهو مخرج الصوت فقط. وهو ما سماه سيبويه بصوت الفم، أي الصوت الحاصل في مخرج الحرف دون أن يصاحبه صوت آخر منبعث من الصدر، أي الحنجرة.

ولدينا نصوص أخرى تؤيد رواية أبي الحسن الأخفش عن سيبويه حول صوت الصدر وصوت الفم، التي نقلها السيرافي، وأول تلك النصوص ما ورد في الكتاب لسيبويه نفسه، حيث قال في (باب الساكن الذي يكون قبل آخر الحروف فيحرك لكراهيتهم التقاء الساكنين) :

«واعلم أن من الحروف حروفا مشربة ضغطت من مواضعها، فإذا وقفت خرج معها من الفم صويت ونبا اللسان عن موضعه، وهي حروف القلقلة ومن المشربة حروف إذا وقفت عندها خرج معها نحو النفخة، ولم تضغط ضغط الأولى، وهي الزاي والظاء والذال والضاد، لأن هذه الحروف إذا خرجت بصوت الصدر انسل آخره، وقد فتر، من بين الثنايا لأنه يجد منفذا، فتسمع نحو النفخة أما الحروف المهموسة فكلها تقف عندها مع نفخ، لأنهن يخرجن مع التنفس لا صوت الصدر، وإنما تنسل معه واعلم أن هذه الحروف التي يسمع معها الصوت والنفخة في الوقف، لا يكونان فيهن في الوصل إذا سكّن، لأنك لا تنتظر أن ينبو لسانك، ولا يفتر الصوت حتى تبتدئ صوتا، وكذلك المهموس، لأنك لا تدع الفم يطول

(1) الأصوات اللغوية ص 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت