تلك هي فكرة سيبويه عن الصوت المجهور والصوت المهموس. وقد رددها من بعده علماء العربية وعلماء التجويد، ويمكن القول بأن سيبويه تمكن من تصنيف الأصوات إلى مجهورة ومهموسة استنادا إلى إدراكه للفرق بين طبيعة القسمين الناتج عن اهتزاز الوترين الصوتيين، التي سماها سيبويه صوت الصدر، أثناء نطق الأصوات المجهورة، وعدم اهتزازهما في أثناء نطق الأصوات المهموسة، وكان هذا التقسيم في جملته صحيحا.
ولم يكتف علماء التجويد بترديد أفكار سيبويه في المجهور والمهموس، بل نجد بعض الإضافات الصحيحة، كما نجد بعض المحاولات لتقديم تعريف أوضح من تعريف سيبويه.
وتتركز ملاحظات علماء التجويد حول المجهور والمهموس على الأثر السمعي لا على توضيح مصدر الجهر، فهم يقررون أن المجهور أوضح في السمع من المهموس، وهذا ما يفهم من وصف مكي بن أبي طالب (ت 437هـ) للصوت المجهور بأنه أقوى من المهموس وأن المهموس أضعف من المجهور، ثم هو يقول: «وإنما لقب هذا المعنى بالجهر لأن الجهر: الصوت الشديد القوي، فلما كانت في خروجها كذلك لقبت به، لأن الصوت يجهر بها لقوتها» [1] .
وركز الداني (ت 444هـ) في توضيح المجهور والمهموس على المعنى اللغوي للكلمتين، فقال في كتاب (التحديد) : «الهمس الإخفاء، والجهر الإعلان» [2] . وقال في كتاب (الإدغام الكبير) : «الهمس إخفاء الصوت، والجهر الإعلان» [3] . وذكر ذلك أيضا عبد الوهاب القرطبي (ت 462هـ) فقال: «إن المهموس ما خفي، والمجهور ما أعلن» [4] . وقد صرح ابن الحاجب (ت 646هـ) بأن الهمس هو (الصوت الخفي) والجهر هو (الصوت العالي) [5] . وهذه النصوص كلها تشير إلى معنى واحد هو أن المجهور أوضح في السمع من المهموس، وإذا لم يكن ذلك معناها فبأي شيء يمكن أن تفسر هذه الكلمات: القوة الإعلان العلو؟.
وكان ابن كيسان (محمد بن أحمد ت 299هـ على خلاف) قد صرح بهذه الحقيقة، حيث قال: «ومعنى المهموس منها أنه حرف لأن مخرجه دون المجهور وجرى معه النفس،
(1) الرعاية ص 92.
(2) التحديد 17ظ.
(3) الإدغام الكبير 9ظ.
(4) الموضح 156و.
(5) الإيضاح في شرح المفصل 2/ 490.