فهرس الكتاب
وقد ورث علماء التجويد تلك الجهود في تصنيف الأصوات، ولكنهم لم يقفوا عند حد ترديد مقولات علماء العربية، بل نجد لديهم اتجاها جديدا في التعبير عن التصنيف السابق للأصوات، لم يأخذوه عن غيرهم كما يبدو، وكان هذا الاتجاه قد ظهر في القرن الخامس، ولكنه لم يستمر أبعد من القرن السادس للهجرة، وارتبط بعدد محدود من علماء ذينك القرنين، ويتمثل ذلك الاتجاه بالتعبير عن صنفي الأصوات المذكورين باستخدام كلمة (جامد) وكلمة (ذائب) .
وكان الدانيّ (أبو عمرو عثمان بن سعيد ت 444هـ) أول من استخدم مصطلح (الحرف الجامد) و (الحروف الجامدة) ، من المصادر التي اطلعت عليها، لكنه لم يستخدم مصطلح (الذائبة) ، واستعاض عنه بمصطلح حروف المد. وهو لم يستخدم مصطلح (الجامدة) في كتابه (التحديد في الإتقان والتجويد) إلا مرة واحدة، حيث قال: وهو يتحدث عن الواو والياء إذا كانت قبلهما حركة من جنسهما: «فإن انفتح ما قبلهما زال عنهما معظم المد، وانبسط اللسان بهما، وصارا بمنزلة سائر الحروف الجامدة، وألقي عليهما حركات الهمزات في مذهب من رأى ذلك، وأدغما في مثلهما بإجماع» [1] .
ونجد الداني يستخدم مصطلح (الحرف الجامد) خمس مرات في كتابه (الإدغام الكبير) ويستخدم في مقابله (حرف مد ولين) ، وسوف أنقل هنا النصوص الخمسة وذلك لتوضيح استخدام هذا المصطلح الجديد، ولندرة مثل هذه النصوص أيضا.
1 -قال الداني وهو يتحدث عن إدغام الهاء في مثلها عند أبي عمرو بن العلاء في مثل قوله تعالى {فِيهِ هُدىً} [البقرة: 2] و {إِنَّهُ هُوَ التَّوََّابُ} [البقرة: 37] : «فإن قال قائل: فقد جمع فيما قبل الهاء فيه ساكن من ذلك بين ساكنين. قيل له: الساكن الأول إذا كان حرف مد ولين فالمد فيه مقام حركة، فامتنع الجمع بين الساكنين لذلك بإجماع النحويين، فإن كان حرفا جامدا أخفى ولم يدغم، فلم يلتق ساكنان» [2] .
2 «وكذلك جميع ما يدغمه من المثلين والمتقاربين مما قبل المدغم فيه ساكن جامد غير حرف مد ولين» [3] .
(1) التحديد 29و 29ظ. وكنت قد نقلت هذا النص وحده في بحث (المصوتات) ص 425.
(2) الإدغام الكبير 10و.
(3) الإدغام الكبير 12و.