أحسن حظا من حيث الاستخدام. ولكن ما دام البحث الصوتي العربي غير متوقف، فإن هناك فرصة للخروج من دائرة الاضطراب إلى حيز الاستقرار باستخدام مصطلحي (الجامد والذائب) ، لا سيما إذا أدرك الدارسون ما يتميز به هذان المصطلحان قياسا بالمصطلحات الأخرى المستخدمة في مكانهما.
وإذا كنا قد تحققنا من دقة استخدام علماء التجويد لمصطلح (الجامد والذائب) فينبغي أن نبين أنهم أدركوا بوضوح كيفية إنتاج (الأصوات الذائبة) وتميزها بحرية مرور الهواء أثناء النطق بها، يقول المرعشي وهو يستخدم مصطلح (حروف المد) في مقابل (الحروف الذائبة) :
«فلجميع الحروف مخرج محقق إلا حروف المد، إذ لا تنضغط أصواتها في موضع انضغاطا ينقطع به الصوت، بل تمتد بلين بلا تكلف إلى أن تقطعه بإرادتك، ولذا قبلت الزيادة في الامتداد على مقدار يحصل به ذوات هذه الحروف» [1] .
وقال علي القاري عن حروف المد الثلاثة: «ثم إنهن بالصوت المجرد أشبه منهن بالحروف، ويتميزن عن الصوت المجرد بتصعد الألف وتسفل الياء واعتراض الواو» [2] .
والصوت المجرد يقصد به الصوت الذي ينتج حين يفتح الناطق فاه، ويدفع بالهواء إلى الخارج مع ذبذبة الوترين الصوتيين، وسماه ابن جني (الصوت الساذج) [3] .
وقد أتى ابن الطحان (أبو الأصبغ عبد العزيز بن علي الإشبيلي ت بعد 560هـ) بتشبيه طريف يصور حالة أعضاء آلة النطق حين إنتاج الأصوات الذائبة فقال وهو يتحدث عن الواو والياء الواقعتين بعد حركة من جنسهما: «إنما يصير الفم لصوتيهما كالأنبوب» [4] .
ويتضح من هذه النصوص المحددة أن المسافة بين علماء التجويد وعلماء الأصوات المحدثين قد تضيق جدا أو تنعدم في كثير من الموضوعات، فغاية ما قاله المحدثون عن المصوت (الذائب) : «بأنه الصوت المجهور الذي يحدث أثناء النطق به أن يمر الهواء حرا طليقا خلال الحلق والفم دون أن يقف في طريقه عائق أو حائل، ودون أن يضيق مجرى الهواء ضيقا من شأنه أن يحدث احتكاكا مسموعا» [5] . وهذا لا يبتعد كثيرا عما قاله علماء التجويد
(1) جهد المقل 6و.
(2) المنح الفكرية ص 9، وانظر: القسطلاني: لطائف الإشارات 1/ 189.
(3) سر صناعة الإعراب 1/ 9، وانظر: الأسترآباذي: شرح الشافية 3/ 250.
(4) مرشد القارئ 136و.
(5) كمال محمد بشر: الأصوات ص 92، وانظر: محمود السعران: علم اللغة ص 160.