في المصادر التي اطلعت عليها، هو قول ابن مجاهد (ت 324هـ) مؤلف كتاب (السبعة في القراءات) ، فقد قال الداني (ت 444هـ) : «حدثني الحسين بن شاكر السمسار، قال: حدثنا أحمد بن نصر، قال: سمعت ابن مجاهد يقول: اللحن في القرآن لحنان: جليّ وخفيّ.
فالجليّ لحن الأعراب، والخفيّ ترك إعطاء الحرف حقّه من تجويد لفظه» [1] . ونقل أحمد بن أبي عمر (ت بعد 500هـ) الرواية على هذا النحو: «والخفي ترك إعطاء الحروف حقها من تجويد لفظها، بلا زيادة فيها ولا نقصان» [2] .
إن الوقت الذي ظهرت فيه كلمة التجويد بمعناها الاصطلاحي هو الوقت الذي ظهر فيه أول مصنف مستقل في علم التجويد، فقد قال ابن الجزري، وهو يترجم لأبي مزاحم موسى ابن عبيد الله بن يحيى الخاقاني البغدادي المتوفى سنة 325هـ: «هو أول من صنّف في التجويد فيما أعلم، وقصيدته الرائية مشهورة، وشرحها الحافظ أبو عمرو» [3] .
والمصنّف الذي أشار إليه ابن الجزري هنا على أنه أول مصنف في التجويد هو قصيدة أبي مزاحم الخاقاني الرائية المشهورة بالقصيدة الخاقانية، التي يقول في مطلعها:
أقول مقالا معجبا لأولي الحجر ... ولا فخر، إنّ الفخر يدعو إلى الكبر
وعدد أبياتها واحد وخمسون بيتا، ذكر فيها أبو مزاحم بعض الموضوعات التي صارت فيما بعد جزءا من علم التجويد، وكان لهذه القصيدة أثر واضح في جهود اللاحقين في علم التجويد، فهم بين مقتبس منها مستشهد بأبياتها، وبين معارض لها، أو شارح موضح لمعانيها [4] .
ومع أن القصيدة الخاقانية هي أول مصنف مستقل ظهر في علم التجويد إلا أن أبا مزاحم لم يستخدم فيها كلمة (التجويد) ولا أيا من الألفاظ الأخرى التي تشاركها في المادة اللغوية، واستخدم مكانها كلمة (الحسن) وما اشتقّ من مادتها. فقد قال في صدر البيت الخامس:
أيا قارئ القرآن أحسن أداءه
(1) التحديد 22ظ.
(2) الإيضاح 68ظ.
(3) غاية النهاية 2/ 321.
(4) لمعرفة المزيد عن هذه القصيدة والاطلاع على نصها يراجع بحث: علم التجويد نشأته ومعالمه الأولى لا سيما المبحث الثاني والمبحث الثالث ص 365339.