وقال في صدر البيت السابع عشر:
فقد قلت في حسن الأداء قصيدة وعدم استخدام أبي مزاحم لكلمة (التجويد) في قصيدته يدل على أن هذا المصطلح لم يكن مشهورا حينذاك، على الرغم من ظهوره في ذلك الوقت، فقد استخدمه معاصره ابن مجاهد، كما مر في النص الذي نقلناه عنه.
وأول من استخدم مصطلح (التجويد) بعد ابن مجاهد هو أبو الحسن علي بن جعفر السعيدي المتوفى في حدود 410هـ [1] فقد قال في أول كتابه (التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي) : «سألتني أن أصنّف لك نبذا من تجويد اللفظ بالقرآن» . وقال في موضع آخر:
«ويؤمر القارئ بتجويد الضاد من (الضالين) وغيرها» [2] . وشاع استخدام مصطلح (التجويد) بعد عصر السعيدي على نطاق واسع [3] .
وإذا وافقنا ابن الجزري في قوله إن القصيدة الخاقانية هي أول مصنف كتب في علم التجويد فإن هناك قريبا من قرن من السنين بين تاريخ ظهورها وتاريخ ظهور كتاب السعيدي (التنبيه على اللحن الجلي واللحن الخفي) الذي يتميز بأنه أقدم كتاب معروف لدينا اليوم في علم التجويد بعد القصيدة الخاقانية، وهو يمثل بدء التأليف المستقل في علم التجويد.
وحين رجعت إلى كتاب (الفهرست) لابن النديم المتوفى سنة 385هـ على الأرجح، لم أجده يذكر أيّ كتاب يحمل اسم التجويد أو يمكن أن يكون موضوعه في هذا العلم، على الرغم من أنه ذكر في الفن الثالث من المقالة الأولى من كتابه مئات الكتب المؤلفة في علوم القرآن [4] . وهذا أمر يدل على أن علم التجويد لم يزل في القرن الرابع الهجري يخطو خطواته الأولى ولم تشتهر كتبه حين ألف ابن النديم كتابه سنة 377هـ [5] . ولا يزال تاريخ علم التجويد في القرن الرابع بحاجة إلى نصوص جديدة تلقي مزيدا من البيان على نشأته [6] .
وحين نتقدم خطوة إلى الأمام وندخل في القرن الخامس الهجري نجد أن المؤلفات في
(1) انظر ترجمته: الذهبي: معرفة القراء 1/ 298، وابن الجزري: غاية النهاية 1/ 529.
(2) كتاب التنبيه ورقة 45ظ، و 47ظ.
(3) ينظر في ذلك بحث: علم التجويد نشأته ومعالمه الأولى، ص 389384.
(4) انظر: الفهرست ص 4227.
(5) المصدر نفسه ص 3.
(6) راجع ملحقا عن علم التجويد في القرن الرابع الهجري في آخر هذه الرسالة.