الأصوات العربية المتقدمون في مجال تصنيف صفات الحروف، لأن هذه النظرية تنبني على إدراك عميق لخصائص الأصوات وصفاتها والعلاقة بينها.
وكان علماء التجويد مدركين لظاهرة التقابل بين الأصوات، ودور الصفات في التمييز بينها، خاصة الجهر والهمس، والشدة والرخاوة، والإطباق والانفتاح. قال مكي بن أبي طالب: «ولولا الهمس الذي في السين لكانت زاء، وكذلك لولا الجهر الذي في الزاي لكانت سينا، إذ قد اشتركا في المخرج والصفير والرخاوة والانفتاح والتسفل، وإنما اختلفا في الجهر والهمس لا غير، فباختلاف هاتين الصفتين افترقا في السمع فاعرف ذلك. فيجب أن تعلم أيضا أن السين حرف مؤاخ للصاد، لاشتراكهما في المخرج والصفير والهمس والرخاوة، ولولا الإطباق والاستعلاء اللذان في الصاد ليسا في السين لكانت الصاد سينا، وكذلك لولا التسفل والانفتاح اللذان في السين ليسا في الصاد لكانت السين صادا. فاعرف من أين اختلف السمع في هذه الحروف والمخرج واحد والصفات متفقة» [1] .
وعلى هذا النحو ناقش مكي العلاقة بين عدد من المجموعات الصوتية، مثل (ط د ت) [2] . و (ط ذ ث) [3] . وقال: «واعلم أنه لولا اختلاف الصفات في الحروف لم يفرق في السمع بين أحرف من مخرج واحد، ولولا اختلاف المخارج لم يفرق في السمع بين حرفين أو حروف على صفة واحدة» [4] .
وكذلك قال عبد الوهاب القرطبي: «وحال الصاد والسين والزاي، كحال الطاء والدال والتاء، والظاء والذال والثاء، لأن الصاد امتازت عن السين بالإطباق، ولولاه لكانت الصاد سينا، وكذلك السين امتازت عن الزاي بالهمس، ولو لاه لكانت زاء» [5] . ثم بيّن العلاقة بين (ط د ت) ، وكذلك (ظ ذ ث) على نحو ما وضحها في (ص ز س) [6] .
وتظهر عناية علماء التجويد بظاهرة التمييز بين الأصوات عن طريق الصفات المتقابلة في مجال الأبنية، وليس في نطاق الأصوات المفردة، فكثيرا ما نجدهم ينصون على أن معنى
(1) الرعاية ص 185.
(2) الرعاية ص 175و 178و 191190.
(3) الرعاية ص 195و 198.
(4) الرعاية 192191.
(5) الموضح 162ظ.
(6) الموضح 163و 163ظ.