بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد البغدادي (ت 324هـ) ، الذي حققه الدكتور شوقي ضيف، ولا نجد في هذا الكتاب أبوابا مستقلة تعالج موضوع الأصوات العربية، وإنما جاءت الملاحظات الصوتية متناثرة في ثناياه.
وقد قام علماء التجويد باستخلاص المادة الصوتية من مؤلفات النحويين واللغويين وعلماء القراءة، وصاغوا منها هذا العلم الجديد الذي اختاروا له اسم (علم التجويد) ، وواصلوا أبحاثهم الصوتية مستندين إلى تلك المادة، وأضافوا إليها خلاصة جهدهم حتى بلغ علم التجويد منزلة عالية من التقدم في دراسة الأصوات اللغوية.
وبالرغم من استناد علماء التجويد على جهود سابقيهم من علماء العربية وعلماء القراءة فقد جاء عملهم متميزا، ولا يمكن أن نعده جزءا من تلك الجهود، وإنما جاء عملا شاملا للدرس الصوتي، أما علماء العربية فإنهم عالجوا الموضوع في إطار الدرس الصرفي وهو أمر تجاوزه علماء التجويد وذلك بالنظر إلى أصوات اللغة نظرة أشمل من ذلك.
أما علماء القراءة فإنهم كانوا مشغولين برواية النص القرآني الكريم وضبط حروفه كما نقلتها طبقات علماء القراءة طبقة عن طبقة حتى تنتهي إلى طبقة الصحابة رضوان الله عليهم، الذين تلقوا القرآن من النبي صلّى الله عليه وسلّم.
ولا يمكن أن تعدّ الكتب التي ألفها القراء في وصف القراءات القرآنية بدءا للتأليف في علم التجويد، لأن علم القراءة وعلم التجويد، وإن كان كل منهما يرتبط بألفاظ القرآن، يختلفان في الموضوع كما يختلفان في المنهج، أما الموضوع فإن علم التجويد لا يعنى باختلاف الرواة بقدر عنايته بتحقيق اللفظ وتجويده، مما لا اختلاف في أكثره بين القراء، وأما المنهج فإن كتب القراءات كتب رواية، وكتب التجويد كتب دراية، تعتمد على مقدرة العالم في ملاحظة أصوات اللغة وتحليلها ووصفها.
ويتضح ذلك من عدة نصوص وردت في كتاب (الرعاية) لمكي، منها قوله في مقدمة الكتاب: «ولست أذكر في هذا الكتاب إلا ما لا اختلاف فيه بين أكثر القراء، فيجب على كل من قرأ بأيّ حرف كان من السبعة أن يأخذ نفسه بتحقيق اللفظ وتجويده، وإعطائه حقه على ما نذكره مع كل حرف من هذا الكتاب» [1] . ومنها قوله وهو يتحدث عن أحكام تجويد الهمزة:
«وقد تقدم ذكر أصول القراء واختلافهم في الهمز وتليينه وحذفه وبدله وتحقيقه وغير ذلك من
(1) الرعاية ص 42.