بأن القاف مجهورة لا يمكن أن يحمل إذن على (القاف المعقودة الكاف المجهورة) التي يسميها بعض المحدثين بالجيم القاهرية. ولا بد من البحث عن تفسير آخر لقوله.
ويبدو أننا لن نجد ذلك التفسير في نطق القاف غينا أو قريبا جدا من الغين، كما هو الغالب على ألسنة بعض العرب اليوم، كما ذكرنا قبل قليل، لأن من غير المعقول أن يغيب عن نظر علماء العربية وعلماء التجويد ذلك القرب الشديد حينئذ بين نطق القاف ونطق الغين، ولو أن سيبويه حين وصف القاف بأنها صوت مجهور أراد صوتا يشبه الغين لما وصف القاف بأنها صوت شديد، فمن غير المعقول ألا يفطن سيبويه إلى رخاوة ذلك الصوت، وهو فعلا قد وصف الغين وأختها الخاء بأنها أصوات رخوة، فهذا المذهب في تفسير كلام سيبويه حين وصف القاف بأنها صوت مجهور أبعد عن الواقع من المذهب السابق، لا سيما أن علماء العربية وعلماء التجويد لم يشيروا إلى هذا الاتجاه في نطق القاف، وهو اليوم أقل شيوعا فيما يبدو من نطق القاف المعقودة (أي الكاف المجهورة) .
ولم يبق أمامنا إلا أن ننعم النظر في صوت القاف العربية الفصحى المهموسة التي يقرأ بها القرّاء القرآن اليوم وينطقها المثقفون حين يتحدثون بالعربية الفصحى، لنرى هل لها أصل في الجهر، وهل غمض أمرها حتى وهم سيبويه وغيره في عدّها صوتا مجهورا؟.
إن من الأمور التي يقررها علماء الأصوات المحدثون أن الفراغ الحلقي الممتد من الحنجرة إلى ما يقارب أقصى اللسان واللهاة يصعب إنتاج أصوات شديدة (انفجارية) فيه. أما الصوت الرخو (الاحتكاكي) فكثير الوقوع، ويمثل ذلك الصوتان العربيان الحاء والعين [1] .
ويبدو أن الجزء الذي يخرج منه الغين والخاء، وهو أدنى الحلق من الفم، يشكل الحد الفاصل بين ما يمكن أن ينتج فيه صوت شديد وما لا يمكن ذلك فيه. فالقاف تخرج من منطقة قريبة جدا من مخرج الغين والخاء، وهي صوت شديد (انفجاري) .
والذي يهمنا من الملاحظة السابقة في الموضوع الذي نبحث فيه هنا هو أن الدارس إذا حاول أن ينطق بالصوت المجهور الذي يقابل القاف العربية الفصحى التي ننطقها اليوم مهموسة استعصى عليه ذلك إلى حد الاستحالة إذا هو حاول الاحتفاظ بهذا الصوت شديدا مع إعطائه صفة الجهر، ولهذا نجد دارسي الأصوات العربية المحدثين يشيرون إلى أن مجهور القاف هو صوت يشبه الغين، وإن كانت تلك الإشارة تفتقر إلى الوضوح في بعض جوانبها. يقول
(1) أحمد مختار عمر: دراسة الصوت اللغوي ص 94.