ونحن لا ننكر أن هناك شبها بين الحروف المتوسطة وبين الحركات (أي الحروف الذائبة) لا سيما (ل م ن) ، وذلك من حيث كيفية مرور الهواء في مخارجها، وعلماء التجويد أنفسهم يصرحون بذلك الشبه، قال عبد الوهاب القرطبي (ت 462هـ) : «وأيضا فإن المد الذي في الواو بمثابة الغنة التي في الميم» [1] . وقال: «أما النون الخفيفة فإنها النون الساكنة التي مخرجها من الخيشوم، نحو النون في منك وعنك ومن زيد. وهي صوت يجري في الخيشوم جريان حروف المد واللين في مواضعها» [2] . وقال ناصر الدين الطبلاوي (ت 966هـ) : «إن النون الساكنة والتنوين حرفا غنة، ولا بد لهما من شبه مد، فشاركا الواو والياء في المد في الجملة» [3] .
ولكن لا يعني وجود شبه بين الحروف المتوسطة وبين الحروف الذائبة أننا يجب أن نلغي تقسيم علماء العربية وعلماء التجويد المبني على مفهوم واضح وهو أن هذه الأصوات لا تحقق في إنتاجها صفة الأصوات الشديدة بشكل كامل، وكذلك هي لا تتحقق فيها صفة الأصوات الرخوة بشكل كامل. فهي تبدأ بحبس للنّفس يشبه ما يحصل في الحروف الشديدة، ولكن النّفس يجد له منفذا من غير موضع ذلك الاحتباس فيجري جريانه في الحروف الرخوة، وهذه هي صفة هذه الأصوات بشكل عام.
وحين نمعن النظر في كلام هذا المعترض نجد أنه لا يعدو أن يكون جدلا لفظيا وإلا ماذا يمكن أن يقول الدارس المدقق عن مثل قوله: «وهي في رأيهم متوسطة بين الشدة والرخاوة (بين الانفجار والاحتكاك) . وهذا في نظرنا تقدير غير دقيق، إلا إذا قصد بها أنها ليست انفجارية، ولا احتكاكية، وإنما هي نوع مستقل. وكان الأولى بهؤلاء القوم أن يحكموا عليها بأنها متوسطة بين الأصوات الصامتة والحركات (لا بين الانفجارية والاحتكاكية) فهي كما رأيت تتسم بخواص الأصوات الصامتة ولكنها في الوقت نفسه تبدي شبها معينا بالحركات، ومن ثم أطلقنا عليها نحن أشباه الحركات [4] .
ونحن لا نعترض على إطلاقه مصطلح (أشباه الحركات) ، وهو مصطلح لا نستبعد أنه
(1) الموضح 170ظ.
(2) الموضح 153ظ.
(3) مرشدة المشتغلين 3ظ.
(4) كمال محمد بشر: الأصوات ص 169.