أما موضع القلقلة فإن لعلماء التجويد مذهبين في ذلك، فبعضهم يرى أنها (لا تكون إلا عند الوقف) [1] . وهو الذي يفهم من كلام علماء العربية، لأن أخذك في صوت آخر عند الوصل يشغلك عن إتباع الحرف الأول صوتا [2] . وذهب أكثرهم إلى أنه لا يشترط لحصول القلقلة سوى سكون الحروف المذكورة (سواء وقعت وسطا أو متطرفة) [3] . إلا أن ذلك الصوت في الوقف عليهن أبين منه في الوصل بهن [4] .
وذكر ابن الجزري في كتابه (النشر) ذينك المذهبين، وهو يرجح المذهب الثاني الذي يذهب أصحابه إلى وجوب قلقلة الحروف الخمسة إذا كانت ساكنة في الوصل والوقف، واستدل بكلام أبي الحسن شريح (ت 539هـ) ، وذلك حيث قال: «وذهب متأخرو أئمتنا إلى تخصيص القلقلة بالوقف تمسكا بظاهر ما رأوه من عبارة المتقدمين أن القلقلة تظهر في هذه الحروف بالوقف، فظنوا أن المراد بالوقف ضد الوصل، وليس المراد سوى السكون، فإن المتقدمين يطلقون الوقف على السكون وقوّى الشبهة في ذلك كون القلقلة في الوقف العرفي أبين، وحسبانهم أن القلقلة حركة، وليس كذلك، فقد قال الخليل: القلقلة شدة الصياح، والقلقلة شدة الصوت.
وقال الأستاذ أبو الحسن شريح ابن الإمام أبي عبد الله محمد بن شريح، رحمه الله، في كتابه (نهاية الإتقان في تجويد القرآن) لما ذكر أحرف القلقلة الخمسة: فقال: وهي متوسطة كباء {الْأَبْوََابَ} [يوسف: 23] ، وجيم {النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] ، ودال {مَدَدْنََاهََا}
[الحجر: 19] ، وقاف {خَلَقْنََا} [الأعراف: 181] ، وطاء {أَطْوََارًا} [نوح: 14] . ومتطرفة كباء {لَمْ يَتُبْ} [الحجرات: 11] ، وجيم لم يخرج [5] ، ودال {قَدْ} ، وقاف {مَنْ يُشََاقِقِ} [النساء: 115] وطاء {لََا تُشْطِطْ} [ص: 22] . فالقلقلة هنا أبين في الوقف في المتطرفة من التوسط، انتهى» [6] .
(1) ابن الطحان: مرشد القارئ 130ظ.
(2) انظر: سيبويه: الكتاب 4/ 175. والمبرد: المقتضب 1/ 196، والسيرافي: شرح كتاب سيبويه 6/ 446، وابن جني: سر صناعة الإعراب 1/ 73.
(3) أحمد بن أبي عمر: الإيضاح 74ظ.
(4) مكي: الرعاية ص 100.
(5) (لم يخرج) لم ترد في القرآن، ويصح التمثيل بقوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ} [النساء: 100] .
(6) النشر 1/ 204203.