فهرس الكتاب

الصفحة 380 من 513

علماء التجويد التي نقلنا بعضها قبل قليل، ونضيف إلى ذلك قول مكي: «فالغنة التي في الحرف الخفي هي النون الخفية، وذلك أن النون الساكنة مخرجها من طرف اللسان وأطراف الثنايا، ومعها غنة تخرج من الخياشيم، فإذا خفيت لأجل ما بعدها زال مع الخفاء ما كان يخرج من طرف اللسان منها، وبقي ما كان يخرج من الخياشيم ظاهرا» [1] .

إن الدارس حين يتأمل نطق مثل (من قال) و (من كان) يجد أن معتمد النون قد انتقل من طرف اللسان إلى أقصاه حيث يعتمد للصوت التالي للنون. وكذلك الحال في مثل (إن جاء) و (إن شاء) فإن معتمد اللسان لصوت النون ينتقل إلى مخرج الجيم والشين. ومثل ذلك يحدث في مثل (من تاب) و (عن ذكر) و (من سأل) و (من فعل) . واللسان يعتمد للنون وللصوت الذي بعدها في كل ذلك اعتمادة واحدة، إلا أن الجزء الأول منها مصحوب بغنة هي بقية النون، بينما الجزء الأخير من الاعتماد هو للصوت الذي يلي النون خاليا من الغنة.

ويلاحظ هنا أن اعتماد اللسان للنون المخفاة إذا كان عند صوت شديد (انفجاري) فإن الغنة تخرج خالصة من الخياشيم، وأن اعتماده لها إذا كان عند صوت رخو (احتكاكي) فإن النّفس في أثناء خروجه من الأنف يكون مصحوبا بتسرب جزء منه من الفم من الموضع الذي يعتمد فيه للحرف الذي يأتي بعد النون، يتأكد ذلك بسد الأنف في أثناء النطق بالحالتين حيث تبطل الغنة في الحالة الأولى، من غير أن يشعر الناطق بجريان النفس من الفم، بينما تبطل الغنة في الحالة الثانية ويظل النفس جاريا في مخرج الحرف. هذا ما نجده من ملاحظة نطق مجيدي قراءة القرآن في زماننا، مع ما نشعر به من حاجة الموضوع إلى تحليل صوتي آلي دقيق، لا يتيسر لنا القيام به الآن.

أما كون الإخفاء (محاولة الإبقاء على النون وذلك بإطالتها مما أدى إلى ما نسميه بالغنة) كما ذهب إليه بعض المحدثين فأمر يفتقر إلى الوضوح، ولا يخلو من القصور. فالإخفاء ليس محاولة للإبقاء على النون إنما يمثل درجة من درجات تأثرها بما يجاورها من الأصوات. كما أن القول بإطالة النون حتى تؤدي إلى الغنة كلام لا يتناسب مع حقيقة صوت النون الذي لا تنفك عنه الغنة إلا إذا أدغم إدغاما كاملا.

ولم يترك علماء التجويد الأمر غامضا، فقد بينوا حقيقة الإخفاء، وحذروا من إطالة

(1) الكشف 1/ 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت