وقال أبو الفتوح الوفائي (ت 1020هـ) : «الناطق بالحرف المدغم ناطق بحرفين أولهما ساكن والثاني متحرك» ثم قال: «الصحيح أن الحرفين ملفوظ بهما» [1] .
أما المذهب الثاني الذي يقدّر الحرف المشدد بأقل من حرفين فيمكن أن يفهم ذلك من قول الداني (ت 444هـ) : «ويلزم اللسان موضعا واحدا، غير أن احتباسه في موضع الحرف لما زاد فيه من التضعيف أكثر من احتباسه بالحرف الواحد» [2] .
وكان الأسترآباذي (ت 688هـ) قد صرح بذلك في قوله: «والذي أرى أنه ليس الإدغام الإتيان بحرفين، بل هو الإتيان بحرف واحد مع اعتماد على مخرجه قويّ، سواء كان الحرف متحركا نحو يمدّ زيد، أو ساكنا نحو يمدّ، وقفا» [3] . كما أن الجاربردي قال: «وزمانه أطول من زمان الحرف الواحد، وأقصر من زمان الحرفين» [4] . وقد أخذ بهذا المذهب بعض علماء التجويد المتأخرين فنقلوا قول الجاربردي [5] .
وقال المرعشي (ت 1150هـ) : «اعلم أن هيئة الحرف المشدد أن يعتمد على المخرج اعتمادة واحدة قوية فوق الاعتماد في المخفف» . فيكون الأول كالمستهلك لعدم استقلاله في التلفظ، «ومعنى عدم استقلاله في التلفظ عدم الفراغ عند تلفظه قبل الثاني، والفراغ إنما يكون برفع اللسان في اللساني، والشفة في الشفوي، والحلق في الحلقي، عن مخرج الحرف، وذلك الرفع إن وجد يكون فاصلا بين الحرفين ويستقل الحرف الأول، وينتفي الإدغام.
فحقيقة الإدغام التلفظ بالمثل الثاني قبل الفراغ عن المثل الأول، ومعنى وحدة الاعتماد في المشدد في قول الرضي هو عدم وجود ذلك الفاصل» [6] .
ذلك هو رأي علماء التجويد في الحرف المشدد، فأين يقف رأيهم بالنسبة إلى الدرس الصوتي المعاصر؟ الواقع أن علماء الأصوات المحدثين لم يبتعدوا كثيرا عما قرره علماء التجويد، بل إنهم لم يتجاوزوه إن أردنا الدقة. ذلك أن بعضهم ذهب إلى أن المشدد لا يقابل
(1) الجواهر المضية 53و، 54ظ.
(2) التحديد 15و.
(3) شرح الشافية 3/ 235.
(4) شرح الشافية ص 234.
(5) أحمد فائز الرومي: شرح الدر اليتيم 15و. والمرعشي: جهد المقل 24و.
(6) جهد المقل 24و. وانظر: الرضي الأسترآباذي: شرح الشافية 3/ 235.