وجمهورهم على التسوية بين البابين في المد، وهو الوجه، لأن المد إنما جعل بدلا من الحركة ليقوى به الساكن، كذلك أيضا ألحق قبل الهمز ليقوى به الحرف الضعيف. فقد استويا في استيجابه من وجه واحد، فلا وجه للفرق» [1] .
وذكر عبد الوهاب القرطبي أيضا «أن المد يقصر في حروف المد واللين، إذا كان بعدها ساكن يوقف عليه في مثل قوله تعالى: {يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] ، {نَسْتَعِينُ}
[الفاتحة: 5] ، {الظََّالِمُونَ} [البقرة: 229] ، {الْخََاسِرُونَ} [البقرة: 27] ، (القنطار) [2] ، {وَالْكُفََّارَ} [المائدة: 57] ، {الْأَبْرََارِ} [آل عمران: 193] ، وما أشبه ذلك عن المد في {دَابَّةٍ} [البقرة: 164] ، و {الضََّالِّينَ} [الفاتحة: 7] ، وإن كان المراد به الفصل بين الساكنين. وإنما قصر عنه وإن استويا في السبب من أجل أن الساكن هاهنا موقوف عليه، والجمع بين الساكنين في الوقف غير ممتنع، فلم تمس الحاجة إلى الفصل بينهما بالمد في الموضع الذي يجوز فيه الجمع بين الساكنين، وهو الوقف، كما مست إلى الفصل به في الموضع الذي لا يجوز فيه الجمع، وهو الوسط. فجعل المد في حرف المد واللين إذا كان الساكن بعده وسطا أتم منه إذا كان بعد حرف المد واللين حرف ساكن يوقف عليه للمعنى الذي أشرنا إليه، وهو لطيف جدا، فتدبره إن شاء الله» [3] .
ويلاحظ أن كلام متقدمي علماء التجويد ينحو منحى عاما في تحديد مراتب المدود، بينما يغلب على كلام المتأخرين النزوع نحو تقييد أنواع المدود وقياسها. فالداني (ت 444هـ) حين ذكر المد الطبيعي قال عنه: «ويقدرونه مقدار ألف إن كان ألفا، ومقدار ياء إن كان ياء، ومقدار واو إن كان واوا» . وقال عن المتكلف: «وحقيقة النطق بذلك أن تمد الأحرف الثلاثة ضعفي مدهنّ في الضرب الأول، والقراء يقدرون ذلك مقدار ألفين، إن كان حرف المد ألفا، ومقدار ياءين إن كان ياء، ومقدار واوين إن كان واوا، لما دخلته من زيادة التمكين وإشباع المد دلالة على تحقيقه وتفاضله» [4] .
ثم تغلب على علماء التجويد نزعة التفصيل كلما تقدمنا مبتعدين عن عصر الداني. فنجد أبا العلاء الهمذاني العطار يقول عن مقدار المد فيما كان المد فيه لأجل الساكن المشدد:
(1) الموضح 168و.
(2) آل عمران (بقنطار) .
(3) الموضح 167و. وانظر: ابن الجزري: النشر 1/ 318.
(4) التحديد 14و.