وقد اتضح لنا في الفصل الثاني أن علماء التجويد كانوا مدركين لطبيعة الصوت الإنساني، وكيفية إنتاجه، وأسس تصنيفه، وخصائص كل صنف.
فتبين في المبحث الأول أن علماء التجويد كانوا على معرفة تامة بأعضاء آلة النطق ودور كل عضو في إنتاج الأصوات، وقد عرف بعضهم الحنجرة، وإن لم تصل تلك المعرفة إلى حد إدراك دور الوترين الصوتيين في إنتاج الأصوات، وهو أمر لا يغض من قيمة كلامهم في الموضوع، بل إننا نلاحظ في كلامهم عن أعضاء آلة النطق ميزات جديدة قياسا على ما نجده عند علماء العربية، وتتلخص تلك الميزات في:
1 -أنهم وصفوا أعضاء آلة النطق ولم يكتفوا بذكر أسمائها.
2 -استعان بعضهم بعلم التشريح في وصفها.
3 -خصص بعضهم فصلا للحديث عنها.
4 -استعان عدد منهم بالرسم التوضيحي لتوزيع مخارج الحروف على أعضاء آلة النطق.
وفي المبحث الثاني تبين أن علماء التجويد عرفوا كيفية إنتاج الأصوات اللغوية بكل تفصيلاتها، فقد عرفوا أن الهواء الخارج من الرئتين هو مادة الصوت الإنساني، وأدرك بعضهم أثر الوترين الصوتيين فيه، وقد سمى بعضهم النغمة التي يصدرها الوتران مع بعض الأصوات (صوت الصدر) اقتداء سيبويه، وسماها ابن البناء (ت 471هـ) (ترديد الحنجرة) ، وسماها طاش كبري زاده (ت 968هـ) ومحمد المرعشي (ت 1150هـ) باسم (الصوت القوي) و (الصوت الجهري) . وقد سموا الصوت الذي تصاحب إنتاجه تلك النغمة مجهورا، والصوت الذي لا تصاحب إنتاجه تلك النغمة مهموسا. وكان علماء العربية قد سبقوا إلى استخدام هذين المصطلحين.
وعرف علماء التجويد أن الذي ميز بين الأصوات بعد ذلك هو اختلاف مواضع القطع، أي اختلاف المخارج، ثم اختلاف الكيفيات (الصفات) المصاحبة لحدوث الصوت في مخرجه من جهر وهمس، وشدة ورخاوة وتوسط، وإطباق وانفتاح.
وفي المبحث الثالث تبين كيف استخدم علماء التجويد مصطلح (الحروف الجامدة) و (الحروف الذائبة) للتعبير عن صنفي الأصوات اللذين اضطرب المشتغلون بدراسة الأصوات العربية من المحدثين استخدام مشي شيء مصطلحين مناسبين للتعبير عنهما، فاستخدم بعضهم (الحرف والحركة) وبعضهم (الساكن والعلة) وبعضهم (الصامت والمصوت) ، ولم يجمعوا على استخدام شيء معين منها، وذلك لعدم كفايتها في التعبير عن المعنى الذي يريدون التعبير عنه. وقد جاء استخدام علماء التجويد لمصطلح (الجامد والذائب) في غاية الدقة والوضوح في التعبير عن المقصود، وأرجو أن يشيع بعد الآن استخدام هذين المصطلحين، فلعل دارسي
الأصوات العربية المحدثين يجدون فيهما المصطلحين اللذين يؤديان المعنى المقصود بدقة كاملة.