وفي المبحث الثالث تبين كيف استخدم علماء التجويد مصطلح (الحروف الجامدة) و (الحروف الذائبة) للتعبير عن صنفي الأصوات اللذين اضطرب المشتغلون بدراسة الأصوات العربية من المحدثين استخدام مشي شيء مصطلحين مناسبين للتعبير عنهما، فاستخدم بعضهم (الحرف والحركة) وبعضهم (الساكن والعلة) وبعضهم (الصامت والمصوت) ، ولم يجمعوا على استخدام شيء معين منها، وذلك لعدم كفايتها في التعبير عن المعنى الذي يريدون التعبير عنه. وقد جاء استخدام علماء التجويد لمصطلح (الجامد والذائب) في غاية الدقة والوضوح في التعبير عن المقصود، وأرجو أن يشيع بعد الآن استخدام هذين المصطلحين، فلعل دارسي
الأصوات العربية المحدثين يجدون فيهما المصطلحين اللذين يؤديان المعنى المقصود بدقة كاملة.
وفي المبحث الرابع اتضحت طريقة علماء التجويد في تحديد مخارج الحروف الجامدة، وهم في ذلك يسيرون على خطى سيبويه بشكل عام، مع بعض الإضافات التي توضح كلام سيبويه، أو تكمله، أو تعدله على نحو مذهب بعضهم في جعل الحروف العربية الأصلية واحدا وثلاثين حرفا بدل التسعة والعشرين، وذلك بإضافة ياء المد وواو المد على التسعة والعشرين، وهذا مذهب يؤيده الدرس الصوتي الحديث. وقد أفرد علماء التجويد حروف المد الثلاثة وخصصوا لها مخرجا مستقلا، ولم يعدّ أكثرهم الألف من حروف الحلق، وميزوا بين الياء والواو الجامدتين، وبينهما حينما تكونان ذائبتين (أي حرفي مد) .
ولا يعني التزام علماء التجويد بطريقة سيبويه في ترتيب المخارج أن ذلك ناتج عن قصور منهم في تحديد المخارج، بل لأن طريقة سيبويه في ترتيب المخارج كانت في غاية الدقة والضبط وهذه حقيقة اعترف بها المحدثون بكل صراحة، ويؤيد هذا أن علماء التجويد حين رأوا أن تحديد سيبويه لمخارج حروف المد غير منضبط لم يترددوا في الخروج عليه.
ونجد في المبحث الخامس الذي بينت فيه تصنيف الأصوات الجامدة بحسب الصفات طريقة جديدة في دراسة صفات الحروف، وذلك بتقسيمها إلى صفات مميّزة مثل الجهر والهمس، والشدة والرخاوة، والإطباق والانفتاح وإلى صفات محسّنة مثل القلقلة، والغنة، والصفير، والتكرير، والتفشي، والاستطالة، والانحراف، وهذه الطريقة تدل على إدراك عميق لطبيعة تلك الصفات وأثرها في تنوع الصوت الإنساني. وختمت هذا المبحث بتوضيح عناية علماء التجويد بوصف الأصوات وتحديد صفات كل صوت والطريقة المثلى لذلك.
وقد تحدثت في هذا المبحث عن بعض المشكلات الصوتية التي أثارها وصف علماء العربية وعلماء التجويد لكل من الهمزة والقاف والطاء بأنها أصوات مجهورة، وهي الآن ليست كذلك. فبينت موقف علماء التجويد من هذه القضية. وقد اتضح لي أن بعض علماء التجويد كان مدركا للتحول الذي أصاب صوت الطاء حتى صار صوتا مهموسا.
وكانت مشاركة علماء التجويد في دراسة مشكلة الضاد العربية مشاركة كبيرة، وقد اتبعوا في معالجة هذه المشكلة منهجا صوتيا، بخلاف اللغويين والنحاة الذين كانت عنايتهم متجهة نحو إحصاء الألفاظ التي يرد فيها الضاد والظاء. وألف علماء التجويد في هذا الموضوع عدة كتب تتسم بالنظرة الدقيقة لجوانب هذه المشكلة، على نحو ما لاحظنا في كتاب(بغية المرتاد
لتصحيح الضاد)لعلي بن محمد المعروف بابن غانم المقدسي (ت 1004هـ) وكتاب (كيفية أداء الضاد) لمحمد المرعشي (ت 1150هـ) .