فهرس الكتاب

الصفحة 489 من 513

وكانت مشاركة علماء التجويد في دراسة مشكلة الضاد العربية مشاركة كبيرة، وقد اتبعوا في معالجة هذه المشكلة منهجا صوتيا، بخلاف اللغويين والنحاة الذين كانت عنايتهم متجهة نحو إحصاء الألفاظ التي يرد فيها الضاد والظاء. وألف علماء التجويد في هذا الموضوع عدة كتب تتسم بالنظرة الدقيقة لجوانب هذه المشكلة، على نحو ما لاحظنا في كتاب(بغية المرتاد

لتصحيح الضاد)لعلي بن محمد المعروف بابن غانم المقدسي (ت 1004هـ) وكتاب (كيفية أداء الضاد) لمحمد المرعشي (ت 1150هـ) .

وفي المبحث السادس يتضح مقدار عناية علماء التجويد بدراسة الأصوات الذائبة (حروف المد والحركات) سواء أكان ذلك من حيث تخصيص فصول مستقلة في كتب علم التجويد لبحثها، أم من حيث طريقة دراستها. وقد تمكن علماء التجويد من إدراك ما تتصف به الأصوات الذائبة من اتساع مخارجها وحرية مرور الهواء في أثناء النطق بها. وهي تكوّن عندهم مجموعة واحدة من الأصوات تتألف من حروف المد الثلاثة: الألف، والواو والياء إذا كانت حركة ما قبلهما من جنسهما، إضافة إلى الحركات الثلاث: الفتحة والضمة والكسرة.

ومذهب جمهور علماء التجويد أن الفتحة من الألف، والكسرة من الياء والضمة من الواو.

وقد أدرك عدد منهم العلاقة بين الحركة والحرف الذي هي منه، فقال بعضهم الحركة ثلث الحرف، ومذهب الأكثرين أن الحركة نصف الحرف، وأن الألف مركب من فتحتين، والياء مركب من كسرتين، والواو مركب من ضمتين. وقد حددوا مخارج حروف المد وربطوا بين مخارجها ومخارج الحركات، وميزوا بين قيمتين صوتيتين للواو والياء، وذلك حين تكونان حرفي لين مرة (أي جامدتين) ، وحين تكونان حرفي مد مرة أخرى (أي ذائبتين) .

ولم يستطع دارسو الأصوات العربية المحدثون أن يقدموا في دراستهم للأصوات الذائبة (حروف المد والحركات) شيئا متميزا على ما قدمه علماء التجويد. وقد تبين لي أن سبب ما يذكره بعض المحدثين من أن علماء العربية أهملوا دراسة موضوع الأصوات الذائبة أو أنهم قصروا فيه هو عدم تعمقهم في دراسة كتب علماء العربية وعدم اطلاعهم على كتب علم التجويد.

وكانت دراسة الظواهر الصوتية الناشئة عن التركيب، وما يلحق الأصوات من تغيير بسبب المجاورة من الأمور التي تميز ببحثها علماء التجويد، فكانت معالجتهم لهذا الموضوع أعمق وأوسع من معالجة علماء العربية، ولم يبحث هذا الموضوع إلا عدد قليل من الدارسين المحدثين، على نحو ما بيّنا في الفصل الثالث.

كان علماء التجويد على معرفة تامة بميل الأصوات نحو التماثل عند ما تتجاوز في الكلام المتصل على ما تبين في المبحث الأول، لأن المجاورة لها تأثير، كما يقول عبد الدائم الأزهري (ت 870هـ) وأدرك علماء التجويد أن ما يحصل للأصوات عند المجاورة من تغيير هو من باب الاقتصاد بالمجهود والميل نحو الأسهل والأخف في النطق.

ولم يكتف علماء التجويد بذلك بل نجدهم يتعمقون في دراسة ظواهر التأثر الخاصة بالأصوات الجامدة فقسموا التأثر إلى ما يسمى بالمقبل والمدبر والمتبادل، والإدغام إلى صغير وكبير، وناقص وتام، وإلى إدغام متماثلين ومتجانسين ومتقاربين، وإلى قوي وضعيف، وقد تميز بعض علماء التجويد بالكلام عن الشوائب الصوتية التي تلحق بعض الحروف بسبب المجاورة، مثل الجهر والهمس، والإطباق والانفتاح والأنفية. ولم تغادر هذه التقسيمات شيئا من الظواهر الصوتية الناشئة عن التركيب إلا شملته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت