كان علماء التجويد على معرفة تامة بميل الأصوات نحو التماثل عند ما تتجاوز في الكلام المتصل على ما تبين في المبحث الأول، لأن المجاورة لها تأثير، كما يقول عبد الدائم الأزهري (ت 870هـ) وأدرك علماء التجويد أن ما يحصل للأصوات عند المجاورة من تغيير هو من باب الاقتصاد بالمجهود والميل نحو الأسهل والأخف في النطق.
ولم يكتف علماء التجويد بذلك بل نجدهم يتعمقون في دراسة ظواهر التأثر الخاصة بالأصوات الجامدة فقسموا التأثر إلى ما يسمى بالمقبل والمدبر والمتبادل، والإدغام إلى صغير وكبير، وناقص وتام، وإلى إدغام متماثلين ومتجانسين ومتقاربين، وإلى قوي وضعيف، وقد تميز بعض علماء التجويد بالكلام عن الشوائب الصوتية التي تلحق بعض الحروف بسبب المجاورة، مثل الجهر والهمس، والإطباق والانفتاح والأنفية. ولم تغادر هذه التقسيمات شيئا من الظواهر الصوتية الناشئة عن التركيب إلا شملته.
ويتميز كلام علماء التجويد عن الظواهر الصوتية التأثرية الخاصة بالأصوات الجامدة بالشمول والعمق، فلم يدعوا قضية إلا درسوها وتعمقوا في فهمها وتفسيرها، وهو أمر قصرت فيه دراسات المحدثين كثيرا، وكتب علم التجويد يمكن أن تسد ذلك النقص الكبير في الدرس الصوتي العربي الحديث، كما وضحنا ذلك في المبحث الثاني.
ولم تقف عناية علماء التجويد بالظواهر الصوتية التأثرية الخاصة بالأصوات الجامدة بل تجاوزت ذلك إلى دراسة ما يتعلق بالأصوات الذائبة. فقد تحدثوا عن الظواهر النوعية والظواهر الكمية حديثا مفصلا، تجاوز الظواهر العامة الواضحة إلى معالجة قضايا تتميز بالدقة والعمق مثل تحديدهم العيوب الصوتية التي يمكن أن تلحق أصوات المد، على نحو ما ورد في المبحث الثالث.
وإذا ضممنا ما قاله علماء التجويد عن الظواهر الصوتية التأثرية الخاصة بالأصوات الذائبة إلى ما قالوه عن كيفية إنتاج هذه الأصوات وأنواعها ومخارجها وصفاتها والعلاقة بينها تكونت لدينا دراسة متكاملة عن الأصوات الذائبة، لا يزال الدرس الصوتي العربي الحديث يفتقر إليها، على الرغم من أن كثيرا من الدارسين المحدثين يأخذون على علماء العربية عدم عنايتهم بهذا النوع من الأصوات.
أما الملحقات فالأول منها يؤكد على أن القرن الرابع الهجري شهد دراسات صوتية كثيرة قام بها كبار علماء القراءة، ولا يتضح الآن هل قاموا بتلك الدراسات في إطار كتب القراءات أو في كتب خاصة بعلم التجويد، وذلك لاندثار أكثر كتب تلك الحقبة.
وفي الملحق الثاني كان حديث علماء التجويد عن أساليب القراءة شديد الصلة بعلم التجويد، لأن بعض الأحكام التجويدية تتغير تبعا لطريقة الأداء أو أسلوب القراءة من حدر وترتيل وتحقيق. ويتصل بهذا الموضوع قضية القراءة بالألحان المخترعة المعروفة لدى أصحاب الموسيقى، وقد أنكر علماء التجويد هذا النوع من القراءة، وفرقوا بين القراءة بتلك
الألحان وبين الأمر بتحسين الصوت بالقراءة والتغني بالقرآن على نحو لا يخرج عن طريقة العرب المعهودة في النطق التي تكفل علم التجويد ببيانها. ومن الموضوعات الدقيقة التي ألمح إليها علماء التجويد وتتعلق بالأداء موضوع التنغيم، الذي لا تزال مباحثه في اللغة العربية محدودة، وقد وردت إشارات قيمة عنه لدى بعض علماء التجويد.