وفي الملحق الثاني كان حديث علماء التجويد عن أساليب القراءة شديد الصلة بعلم التجويد، لأن بعض الأحكام التجويدية تتغير تبعا لطريقة الأداء أو أسلوب القراءة من حدر وترتيل وتحقيق. ويتصل بهذا الموضوع قضية القراءة بالألحان المخترعة المعروفة لدى أصحاب الموسيقى، وقد أنكر علماء التجويد هذا النوع من القراءة، وفرقوا بين القراءة بتلك
الألحان وبين الأمر بتحسين الصوت بالقراءة والتغني بالقرآن على نحو لا يخرج عن طريقة العرب المعهودة في النطق التي تكفل علم التجويد ببيانها. ومن الموضوعات الدقيقة التي ألمح إليها علماء التجويد وتتعلق بالأداء موضوع التنغيم، الذي لا تزال مباحثه في اللغة العربية محدودة، وقد وردت إشارات قيمة عنه لدى بعض علماء التجويد.
وفي الملحق الثالث تبينت لنا مشاركة علماء التجويد الواسعة في دراسة موضوع عيوب النطق أو أمراض الكلام. وقد بلغ اهتمام بعض علماء التجويد بهذا الموضوع أن أفرده بتأليف مستقل، كما فعل ابن البناء (ت 471هـ) في كتابه (بيان العيوب التي يجب أن يجتنبها القراء) .
وهو عمل كان مجهولا لدى المحدثين حتى زعم بعضهم أن المكتبة العربية لم تعرف التأليف في هذا الموضوع إلا في العصر الحديث.
وقد ظهرت لي من خلال هذا البحث جملة حقائق تتصل بطبيعة الدرس الصوتي في كتب علم التجويد، وبموقف المحدثين من تلك الكتب، وبمستقبل الدراسات الصوتية العربية، منها:
1 -إن علم الأصوات العربي القديم يتمثل بكتب علم التجويد أكثر مما يتمثل بالنصوص المبثوثة في كتب النحو والصرف والمعاجم، وذلك لأن كتب علم التجويد كتب مخصصة لدراسة الأصوات، دون غيرها، وربط علم الأصوات العربي بكتب التجويد، مع عدم إهمال دراسات علماء العربية، سوف يكون أمرا مفيدا.
2 -إن الإهمال التام والتجاهل الكامل لكتب علم التجويد من قبل المشتغلين بدراسة الأصوات العربية يناقض مقتضى المنهج العلمي الصحيح، ففي الوقت الذي يكثرون فيه من ترديد أقوال الخليل وسيبويه وابن جني لا نجد أحدا منهم يعنى بالمادة الصوتية التي تضمنتها كتب علم التجويد. وإذا كان لهم عذر في أن أهم كتب علم التجويد لا يزال مخطوطا فإني أرجو أن يكون هذا البحث كافيا لإقناعهم بضرورة الالتفات إلى تلك الكتب والاحتفال بها دراسة وتحقيقا.
3 -إن محافظة اللغة العربية على نظامها الصوتي منذ نزول القرآن الكريم حتى عصرنا أمر يعد من الحالات الفريدة التي يحق للأمة أن تعتز بها، وتعود هذه الظاهرة في جملتها إلى ارتباط اللغة العربية بالقرآن الكريم، وقد أسهمت جهود علماء التجويد في استمرار النطق الفصيح في ألسنة الناطقين بالعربية، وكانت كتب علم التجويد تقدم الإطار النظري الذي ظل يحرس تلك الجهود ويوجهها.
ولا أشك في أن إهمال تدريس مبادئ علم التجويد وترك العناية بالجانب العملي منها يعد من أسباب ضعف الملكة اللغوية لدى عامة المثقفين في بلادنا، ويتجلى ذلك الضعف في تشوّه صورة النطق الفصيح على ألسنتهم، ومما يزيد الأمر سوءا عدم ضبط القواعد النحوية.