الأصوات، وسلامة النطق، الأول: التلقي عن المعلم المتقن. والثاني: السلامة من عيوب الكلام مع صحة أعضاء النطق.
ولم يكن المرادي أول من حدد هذا الإطار العام للدراسة الصوتية عند علماء التجويد، ولا آخر من تحدث عنه، ولكنه أول من حدده على هذا النحو من الوضوح، فنجد الداني (ت 444هـ) يقول عن الأمرين الأولين: «اعلموا أن قطب التجويد وملاك التحقيق معرفة مخارج الحروف وصفاتها التي بها ينفصل بعضها من بعض، وإن اشترك في المخرج» [1] .
ويقول أبو العلاء المهذاني العطار (ت 569هـ) في كتابه (التمهيد في التجويد) : «الباب الثامن: في معرفة أسماء الحروف ومخارجها ومجاريها ومدارجها ومستحسن فروعها ومستقبحها. اعلم أن هذا الباب من أشرف أصول القراءة وأهم فصول التلاوة، وذلك أن الحروف أصل الكلام كله وعليها مدار تأليفه، ثم من يقرأ القرآن ويتعاطى هذا الشأن متى ما لم يتقن مخارج الحروف وأجناسها لم يقف على الخلل الواقع فيها، ولم يهتد إلى تجويد القراءة وتهذيبها، وكان كمن رام قطع تيه بلا دليل، وإصعاد قنّة نيق بلا ما سبيل، فإذا عرف الحروف وأتقنها، ولاحظ أجناسها وأحكمها، ثم انضاف إلى ذلك طبع يتقبل هذا الشأن، ويمتزج به أشفى به ذلك على القراءة الصحيحة والألفاظ القويمة، بعون الله ومنّه» [2] .
ويقول أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد الرازي (ت 454هـ) عن الأمر الثالث: «ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف ما يحدث بعض الحروف في بعض من النقصان، لاستطالة حرف على حرف في التجاور، ويستشعر بعضها من بعض في تداخل المخارج» [3] .
ويقول ابن الجزري (ت 833هـ) عن ذلك كله: «أول ما يجب على مريد إتقان قراءة القرآن تصحيح إخراج كل حرف من مخرجه المختص به تصحيحا يمتاز به عن مقاربه، وتوفية كل حرف صفته المعروفة به، توفية تخرجه عن مجانسه. يعمل لسانه وفمه بالرياضة في ذلك إعمالا يصير ذلك له طبعا وسليقة، فكل حرف شارك غيره في مخرج فإنه لا يمتاز عن مشاركه إلا بالصفات، وكل حرف شارك غيره في صفاته فإنه لا يمتاز عنه إلا بالمخرج فإذا أحكم القارئ النطق بكل حرف على حدته موفّ حقّه، فليعمل نفسه بإحكامه حالة التركيب، لأنه
(1) التحديد 16و.
(2) التمهيد 141ظ.
(3) نقلا عن: أحمد بن أبي عمر: الإيضاح 68ظ، وانظر 67ظ.