فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 513

ينشأ عن التركيب ما لم يكن حالة الإفراد، وذلك ظاهر، فكم ممن يحسن الحروف مفردة ولا يحسنها مركبة، بحسب ما يجاورها من مجانس ومقارب، وقويّ وضعيف، ومفخم ومرقق، فيجذب القوي الضعيف، ويغلب المفخم المرقق، فيصعب على اللسان النطق بذلك على حقه إلا بالرياضة الشديدة حالة التركيب، فمن أحكم صحة اللفظ حالة التركيب حصّل حقيقة التجويد بالإتقان والتدريب» [1] .

أما الأمر الرابع، وهو (رياضة اللسان بذلك وكثرة التكرار) فكان علماء التجويد قد أولوه عناية كبيرة، فكانوا يعتمدون على التلقي بالمشافهة، ويحضون على رياضة اللسان، أي تدريبه، على نطق الحروف وتوفية حقوقها من المخارج والصفات حالة إفرادها، وتوفيتها أحكامها الخاصة بها عند تركيبها.

قال أحمد بن نصر الشذائي، وهو من تلامذة ابن مجاهد: «كان ابن مجاهد، رحمه الله، لعلمه بتفاوت الناس في العلم بالقراءة، وقصور أفهامهم، يستثبت كثيرا ممن يقرأ عليه» [2] .

وقال الداني بعد تعريف التجويد: «وليس بين التجويد وتركه إلا رياضة من تدبّره بفكّه» [3] . وقد أخذ ابن الجزري هذا المعنى وصاغه بقوله في المقدمة [4] :

(1) النشر 1/ 215214.

(2) نقلا عن الداني: التحديد 22ظ.

(3) التحديد 2و. ونقله عن الداني: عبد الوهاب القرطبي: الموضح 189و. وابن الجزري: التمهيد ص 6 والنشر (له) 1/ 213. وقد ذكر أحمد بن أبي عمر (الإيضاح 66ظ) : «وقال الشيخ أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي، رحمه الله: التجويد أفضل من الجوهر، وأعز عند العلماء من الكبريت الأحمر، وهو حلية التلاوة وزينة القراءة، وهو إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها مراتبها وليس بين التجويد وتركه إلا رياضة من تدبره بقلبه» . وفي إسناد هذا النص إلى أبي الفضل الخزاعي (ت 408هـ) إشكال كبير، لأنه يتطابق إلى حد كبير مع النص الوارد عند الداني (ت 444هـ) ونقلنا بعضه هنا. والمشهور عند علماء التجويد أنه للداني. ولا يمكن اعتمادا على تاريخ وفاة الخزاعي، وهو مشرقي، أن يكون نقل عن الداني، وهو أندلسي، وتبقى بعد ذلك أربعة احتمالات:

1 -أن يكون الداني نقل عن الخزاعي، ولم يصرح، وهو بعيد.

2 -أن يكون كلاهما نقل عن مصدر واحد أقدم.

3 -أن يكون مؤلف الإيضاح غلط في نسبة النص إلى الخزاعي.

4 -أن يكون ما نقله عن الخزاعي ينتهي عند قوله (الكبريت الأحمر) ونقل ما بعده عن الداني دون أن يصرح بذلك، لا سيما أن مؤلف الإيضاح توفي بعد 500هـ.

(4) ابن الجزري: متن الجزرية ص 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت