وليس بينه وبين تركه ... إلا رياضة امرئ بفكّه
وقال ابنه أبو بكر أحمد في شرحه: «أي ليس بين التجويد وتركه فرق إلا رياضة امرئ، أي مداومته على القراءة والتكرار والسماع من أفواه الحذاق، لا مجرد الاقتصار على النقل، وقوله: بفكه، أي: بفمه» [1] .
وقد ردد الداني هذا المعنى في حاجة القارئ إلى المشافهة في التلقي، والرياضة في الأداء كثيرا [2] .
ووضح مكي بن أبي طالب (ت 437هـ) حاجة المتعلم إلى الأخذ عن الشيخ المتقن، وحاجة الشيخ أيضا إلى إتقان تجويد الحروف بالاعتماد على الأصول التي يسطرها علماء التجويد في كتبهم، وذلك حيث قال: «والمقرئ إلى جميع ما ذكرناه في كتابنا هذا أحوج من القارئ، لأنه إذا علمه علّمه، وإذا لم يعلمه لم يعلّمه، فيستوي في الجهل بالصواب في ذلك القارئ والمقرئ، ويضل القارئ بضلال المقرئ، فلا فضل لأحدهما على الآخر. فمعرفة ما ذكرنا لا يسع من انتصب للإقراء جهله وبه تكمل حاله، وتزيد فائدة القارئ الطالب ويلحق بالمقرئ.
وليس قول المقرئ أنا أقرأ بطبعي وأجد الصواب بعادتي في القراءة لهذه الحروف من غير أن أعرف شيئا مما ذكرته بحجة، بل ذلك نقص ظاهر فيهما، لأن من كانت هذه حجته يصيب ولا يدري، ويخطئ ولا يدري، إذ علمه واعتماده على طبعه وعدة لسانه، يمضي معه أين ما مضى به من اللفظ، ويذهب معه أين ما ذهب، ولا يبني على أصل ولا يقرأ على علم، ولا يقرئ عن فهم. فما أقربه من أن يذهب عنه طبعه، أو تتغير عليه عادته، وتستحيل عليه طريقته، إذ هو بمنزلة من يمشي في ظلام في طريق مشتبه، فالخطأ والزلل منه قريب، والآخر بمنزلة من يمشي على طريق واضح معه ضياء، لأنه يبني على أصل، وينقل عن فهم، ويلفظ عن فرع مستقيم وعلة واضحة فالخطأ منه بعيد، فلا يرضينّ امرؤ لنفسه في كتاب الله جل ذكره وتجويد ألفاظه إلا بأعلى الأمور وأسلمها من الخطأ والزلل، والله الموفق للصواب» [3] .
(1) الحواشي المفهمة 31ظ. وانظر أيضا: عبد الدائم الأزهري: الطرازات المعلمة 25و. وعلي القاري:
المنح الفكرية ص 21.
(2) انظر: التحديد 16و، 41ظ.
(3) الرعاية ص 229227.