فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 513

ومما يوضح مقدار عناية علماء التجويد بالتدريب العملي لنطق الأصوات، ومكابدتهم ذلك مع الطلبة قول مكي أيضا: «وكل ما ذكرته من هذه الحروف لم أزل أجد الطلبة تزل بهم ألسنتهم إلى ما نبهت عليه، وتميل بهم طباعهم إلى الخطأ فيما حذرت منه، فبكثرة تتبعي لألفاظ الطلبة بالمشرق والمغرب وقفت على ما حذرت منه، ووصيت به من هذه الألفاظ كلها، وأنت تجد ذلك من نفسك وطبعك» [1] .

وقد جعل ابن الجزري التدريب ورياضة اللسان الطريق الأمثل لتحصيل التجويد، فقال:

«ولا أعلم سببا لبلوغ نهاية الإتقان والتجويد، ووصول غاية التصحيح والتسديد مثل رياضة الألسن والتكرار على اللفظ المتلقّى من فم المحسن» [2] .

وهناك قضية تتصل بالاتجاه التعليمي للأصوات العربية عند علماء التجويد، وهي أنهم مع تأكيدهم ضرورة التلقي من فم الشيخ المحسن ينصّون على ضرورة استخدام الحس النقدي عند التلقي، واجتناب التقليد المحض، فيجب على الطالب أن يعرض ما يتلقاه عن شيخه على الأصول المقررة في كتب علم التجويد، خشية أن يكون شيخه قد وهم في بعض ما يلقنه إياه.

قال الداني: «وقراء القرآن متفاضلون في العلم بالتجويد والمعرفة بالتحقيق، فمنهم من يعلم ذلك قياسا وتمييزا، وهو الحاذق النبيه، ومنهم من يعلمه سماعا وتقليدا، وهو الغبي الفهيه [3] . والعلم فطنة ودراية آكد منه سماعا ورواية، وللدراية ضبطها ونظمها، وللرواية نقلها وتعلمها، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم» [4] .

وينازع الداني هذا النص عالم آخر، وهو معاصره مكي بن أبي طالب، فقد نقله في كتابه (الرعاية) بنصه تقريبا، مع تصريحه في أول النص بأنه نقله من غيره، حيث قال: «وقد وصف من تقدمنا من المقرئين والقراء، فقال: القراء يتفاضلون في العلم بالتجويد» [5] .

وقد ناقش تلك القضية، أعني التدقيق في التلقي عن الشيوخ، الأستاذ محمد المرعشي الملقب ساج قلي زاده (ت 1150هـ) في كتابيه (جهد المقل) و (بيان جهد المقل) . فقال في الكتاب الأول: «وتجويد القرآن قد يحصله الطالب بمشافهة الشيخ المجود بدون معرفة مسائل

(1) الرعاية ص 144.

(2) النشر 1/ 213.

(3) الفهيه: هو الكليل اللسان العييّ عن حاجته (انظر: ابن منظور: لسان العرب 17/ 421مادة فهه) .

(4) التحديد 2و.

(5) الرعاية ص 7069.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت