هذا العلم، بل المشافهة هي العمدة في تحصيله، لكن بذلك العلم يسهل الأخذ بالمشافهة، ويزيد به المهارة، ويصان به المأخوذ عن طريان الشك والتحريف كما صرح به في الرعاية» [1] .
وشرح محمد المرعشي قوله هذا في كتابه الثاني (بيان جهد المقل) بكلام دقيق، جدير بأن ننقله لأنه يمس جوهر القضية التي نناقشها هنا، ولأنه يعبر عن موقف متميز من عالم عاش في العصور المتأخرة التي غلبت فيها نزعة التقليد وجمود العبارة، لكن المرعشي كان واضحا في رأيه سلسا في عبارته مستقلا في تحليله وموقفه، قال في توضيح النص السابق والتعليق عليه:
«وقوله (بمشافهة الشيخ) ، قال في الصحاح: المشافهة المخاطبة من فيك إلى فيه، انتهى. أقول: فإضافة المشافهة إلى الشيخ من قبيل إضافة المصدر إلى الفاعل، أي بمشافهة الشيخ المجود إياه. قوله (هي العمدة) يجيء بمعنيين: بمعنى المقصود، وبمعنى ما يعتمد عليه، والمراد الثاني، لأن الإنسان كثيرا ما يعجز عن أداء الحروف بمجرد معرفة مخارجها وصفاتها من المؤلفات، ما لم يسمعه من فم الشيخ، لكن لما طالت سلسلة الأداء تخلل أشياء من التحريفات في أداء كثير من شيوخ الأداء. الشيخ الماهر الجامع بين الرواية والدراية المتفطن لدقائق الخلل في المخارج والصفات أعز من الكبريت الأحمر!.
فوجب علينا أن لا نعتمد على أداء شيوخنا كل الاعتماد، بل نتأمل فيما أودعه العلماء في كتبهم من بيان مسائل هذا الفن، ونقيس ما سمعنا من الشيوخ على ما أودع في الكتب، فما وافقه فهو الحق، وما خالفه فالحقّ ما في الكتب. كما صرح به في الرعاية، وهذه عبارتها:
القراء يتفاضلون في العلم بالتجويد، فمنهم من يعلمه رواية وقياسا وتمييزا، فذلك الحاذق الفطن، ومنهم من يعرفه سماعا وتقليدا، فذلك الوهن الضعيف، لا يلبث أن يشك ويدخله التحريف والتصحيف إذ لم يبن على أصل، ولا نقل عن فهم، انتهى.
قوله: رواية، يعني: رواية عن شيخه.
وقوله: قياسا، يعني: استنباطا من قواعده.
وقوله: تمييزا، يعني: تمييز صحيح الأداء عن فاسده لعلمه بقواعده الكلية» [2] .
(1) جهد المقل 2ظ.
(2) بيان جهد المقل 3ظ، وقد لخص المرعشي ذلك وأثبته في رسالته في (كيفية أداء الضاد) انظر ورقة 3ظ.