وهكذا ينص علماء التجويد في كل مناسبة يجري بهم سياق الكلام فيها إلى ذكر شيء من ظواهر القراءات المختلف فيها بين القراء، سواء أكان ذلك في المدود [1] ، أم الراءات [2] ، أم اللامات [3] ، أم غيرها.
وكان علماء القراءات يدركون الحدود الفاصلة بين موضوعات العلمين، لذلك نجد شراح الشاطبية ينصون على أن (باب مخارج الحروف وصفاتها) الذي ختم به الشاطبي قصيدته (حرز الأماني) ليس من موضوعات القراءات، قال شعلة الموصلي (ت 656هـ) عن ذلك الباب «هذا من الفوائد التي زادت على ما في التيسير ولا بد من إيراده وإن لم يكن له تعلق بعلم القراءة، لئلا يلحن في القرآن، لأن اللحن لحنان» [4] وقال أبو شامة (ت 665هـ) عن الموضوع نفسه: «ولا تعلق له بعلم القراءات إلا من جهة التجويد، وهو علم مخارج الحروف» [5] .
أما علاقة علم التجويد بعلم التصريف فتتجلى بشكل خاص بموضوعات معينة مثل الكلام عن حروف العلة والبدل والقلب والزيادة، وقد صرح علماء التجويد أن استقصاء تلك المباحث ليس موضعه علم التجويد وإنما كتب التصريف واللغة، وهذه نصوص توضح حقيقة ذلك.
قال عبد الوهاب القرطبي (ت 462هـ) في الموضح: «وقد يجعل بعضهم الثاء فاء، فيقول في ثلاثة: فلافة، وهو لثغ قبيح، فضلا أن يقال إنه لحن خفي. فأما ما ذكر أهل اللغة من أن بعض العرب يبدل الثاء فاء فيقولون في جدث: جدف، وفي ثوم: فوم، فإن ذلك غير مطرد، بل هو موجود في أحرف يسيرة خاصة، ومنقول نقلا يحفظ ولا يتجاوز» [6] .
وقال أيضا: «وهذه المزية التي لهذه الحروف، أعني بالمزية اختصاصها بالإبدال والزيادة لا تعلق لها باللفظ، فمن حقها ألا تذكرها هنا إلا أنّا أوردناها لتكون القسمة شاملة
(1) انظر: ابن الجزري: التمهيد ص 55.
(2) السمرقندي: روح المريد 132ظ.
(3) علي القاري: المنح الفكرية ص 23.
(4) كنز التهاني (باب مخارج الحروف) ص 1.
(5) إبراز المعاني (باب مخارج الحروف) ص 1.
(6) الموضح 161و.